المناضل الفاضل.. على رأس الأفاضل

مقالات الرأي


سامح المشد


النضال الحقيقي، هو نضال فطري، من أجل البشرية، والإنسانية، والوطنية الأصيلة، وبالتالي هو نضال أساسه النخوة، والعزة، والشجاعة، ﻻ يقوم علي أى أساس من الأسس المنتشرة في مجتمعاتنا العربية، أى على أساس ديني، أو عرقي، أو سلطوي. فالنضال الذي يعلوه جهاد، ويدنوه حب، وعن يمينه إخلاص، وعن يساره وفاء، هو النضال الذي يعتمد عليه من أجل بناء وطن جديد، لجميع الأجيال القادمة، حاضرا، ومستقبلا. فضلا عن محاربة أعداء الوطن، وأعداء الثورات، والمتربصين بمصر، والعروبة، والإسلام، والمسيحية، والفتنة الطائفة، داخل البلاد، وخارجها. النضال الحقيقي كما قال حضرة صاحب الفضيلة، مولانا الإمام الراحل، محمد متولي الشعراوي، (رحمه الله) أن يثور المناضل ليهدم الفساد، ثم يهدأ ليبني الأمجاد. وهنا أخص بالذكر شخصية وطنية ينطبق عنوان المقال عليها، رحل عن عالمنا القاسي منذ أيام، وهو المناضل الفاضل، أبو العز الحريري، وهو بالفعل على رأس قائمة الأفاضل. كان مقاوما صلبا لنظام مبارك، والإخوان، وحقوقيا متمرسا، وعمل على تفعيل العمل النقابي، والبرلماني، والعمالي، ورغم ضعف إمكانياته المادية، إلا انه بقي شعلة متوهجة، وموقدة من العطاء، فلم تفتر عزيمته، ولم يتغلغل اليأس إلى أعماقه، رغم قهر وظلم النظامين الفاشلين، مبارك، ومرسي. مع قدرته على التحمل والمواجهة، فعاش باحثا عن الحرية، والديمقراطية، بعيدا عن الديكتاتورية.

رحل عن عالمنا، حبيب، مناضل، كالطائر المجروح، الذي سخر حياته لخدمة بلاده، وتقليمها من الحكم الإستبدادي. وظل في وطنه معارضا، عنيدا، صادقا، ومتحديا نفسه، طامحا بتحرير مصر من الديكتاتورية، التي قادها مبارك، ومعاونيه، العادلي، والشريف، وعزمي، وسرور، وغيرهم، ومن براثن الفاشية التي قادها الإخوان، متمثلة في الجزيرة، وحماس، وقطر، وتركيا، ومن سياسة التمكين، التي طالما إغتصبها الإستبداديون، بديع، وعاكف، والبلتاجي، والعريان، والشاطر، وحجازي، ويس، والقرضاوي، ومرسي، فغادر الحريري الوطن، لكن الوطن لم يغادره، فعاش جسامة المأساة بأيامها، ولياليها، وعاصر أجيالا بآهات النورس مكسور الجناح. سألته يوما في إجتماعات ماقبل ثورة 25 يناير، وهو متحمس لقيام الثورة، هل ستقوم ثورة حقيقة تطيح بالنظام الحالي؟ فرد على بكل صدق وثقة: هل كان أحد يصدق بقيام ثورة 1952؟

لم يحصل البرلماني الشريف أبو العز الحريري، علي ثروة طائلة، ولم يجن أموالا كثيرة، ولم ينشأ منظمة مجتمع مدني، يستقبل من خلالها المنح الأجنبية المشبوهة، والدولارات الملوثة، ولم يحصل علي رشاوي من نظام عربي، تحت لافتات الدفاع عن العروبة، والقومية، والإسلام. بل كان مصدر رزقه الوحيد، هو (مكتبة عرابي بالأسكندرية) لبيع الأدوات المكتبية والمدرسية. فكان يساري مصري أصيل، ولم يتحول إلي يساري أوروبي، علي طريقة إشتراكية (حزب العمل البريطاني)، ولم يصمت على الظلم، والفساد، والإستبداد، حفاظا علي علاقته بالحاشية، فلم تكن له علاقة بأي سلطة. بإختصار شديد، يمكنك القول، أن المناضل الفاضل، أبو العز الحريري، مصري، عروبي، مثالي، واحد من حبات عنقود الدر الثمين، في أيام، يفتح فيها للسياسيين أبواب الثراء، والبيع، والشراء، فيصعب أن تجد رجلا نادرا مثله، في أسواق كبيرة، علي الشاشات، وعلي صفحات الجرائد، وأسواق لا تهدأ، ولا تنضب، فكل شيء معروض للبيع، الملموس، والمحسوس، والمدروس، بداية من التصريحات، والإتجاهات السياسية، ومرورا بالعضويات البرلمانية، وإنتهاء بتبديل المواقع والإنحيازات، التي صارت أسهل من تبديل الموبيلات، خصوصا في السوق الكبيرة، والتجارة الخبيثة، المعقودة في أروقة السياسة، تحت موائد الصفقات.

كان الحريري برلمانيا فذا، ورائداً كبيراً، وصوتا جهورا، لثورتي 25 يناير، و30 يونيو، وخصوصا 25 يناير، الذي كانت له إسهامات كبيرة، وإعدادات طويلة، وخطابات عريضة، أنا شاهد عليها، ومشارك فيها، ورأيتها رأي العين، فزاده شباب الثورة يقينا، وايماناً بحتمية النصر. وكان إلتفافنا من حوله بميدان التحرير، وثقتنا فيه، تعينه على تحمل أعباء النضال ضد نظام مبارك، ومن بعده نظام الإخوان. فجسد بخطاباته، ومناشداته من أعلى منصة الثورة بميدان التحرير، المعاناة والأمل في وقت واحد، فشكل مع المبدعين، طليعة مبهجة من شباب الثورة، ليكونوا جيلا جديدا، وحائطا منيعا، وحاجزا مهيبا، ضد من تسول له نفسه، أن يخون وطنه، وثورته، فيضل طريقه للعودة الى الفساد، والإفساد. ظل وفيا لقيم المعارضة، والإصلاح، والنماء، التي تربت عليها أجيال النضال، من أجل تنظيف مصر والعرب من الديكتاتورية، والفاسدين. ثم واصل نضاله السياسي، برلمانيا، ونقابيا، وإصلاحيا، ومربيا لأجيال من الشباب، والثوار، وظل وفيا لقناعاته، جاهرا برأيه متشبثاً، بقضايا مصر، التي نذر حياته من أجلها، وقدم لها، وللأمة تضحيات جليلة.

وبرحيله تفقد الحركة العمالية والبرلمانية واليسارية الطامحة بالتغيير، مناضلاً فذاً ضد القهر والفقر والتخلف، والظلم والإستغلال، فاعلاً ومؤثراً في العديد من محطات الكفاح، وإنساناً عقائدياً أعطى وقدم الكثير، ومثقفاً مسلحاً بفكر عال، ورؤية مستنيرة، وأيديولوجية واضحة، منحازة لجموع الناس، والفقراء، والمعذبين، والمهمشين، والكادحين، الحالمين بمملكة الحرية والعدل، وبوطن الحب، والتسامح الإنساني. كان نعم المناضل الشرس، المدافع عن مصالح شعبه، وتطلعاته المستقبلية، ومثلاً للحيوية والفكر المتدفق، والشجاعة والإستقامة الفكرية، والدفء الإنساني الشفاف، ونموذج في العطاء والتفاني، والإخلاص لقضايا الوطن والناس . عرف بأخلاقه الثورية، ومبادئه الصادقة، وكفاحه العنيد المثابر، منذ إلتحاقه بالبرلمان المصري. كانت له هيبته وحضوره المميز، وقامته المنتصبة كشجرة بلوط أو سنديان، جذورها في أعماق الأرض، قادرة على الصمود في وجه الرياح العاتية، فلم ينحن أمام العواصف الفكرية، وتقلبات الزمن، وبقي على الوعد والعهد حاملاً الراية، ومقارعة الأعداء الطبقيين، وافر العطاء، مرفوع الهامة على الدوام.

المتحدث الرسمي بإسم النادي الدبلوماسي الدولي [email protected]