Advertisements

500 مليار دولار حجم سوق الأغذية العضوية بحلول 2027

بوابة الفجر

قبل عدة عقود من الزمان كان ينظر إلى الأغذية العضوية باعتبارها "موضة" أو صيحة جديدة يهتم بها الأشخاص المهووسون بالحفاظ على صحتهم.

وفي أفضل التقديرات عد هذا النوع من الأطعمة ذا طابع نخبوي، يخص الطبقات المترفة، لارتفاع أسعاره ومحدودية توافره، وعدم بيعه إلا في مجموعة محدودة ومختارة من محال بيع الأغذية التي غالبا ما يتبضع منها أبناء الطبقات الثرية فحسب.

اليوم، اختلف المشهد ولو نسبيا، فالأغذية العضوية خيار روتيني ويومي لملايين البشر في عديد من دول العالم. لا نستطيع أن ندعي أنها في متناول جميع الطبقات والفئات الاجتماعية بعد، لكنها تخلت إلى حد كبير عن طابعها النخبوي، إذ إن عديدا من الدراسات الاستقصائية يكشف أن 82 في المائة من الأمريكيين يشترون بعض الأطعمة العضوية.

لا شك أن توافر هذا النوع من الطعام في عديد من المحال التجارية المعنية ببيع الأغذية خاصة للطبقة المتوسطة، واتساع قائمة الأطعمة العضوية لتغطي نطاقا واسعا من الأطعمة والأغذية والمشروبات المستهلكة بشكل روتيني، بعد أن كان الأمر محصورا في الماضي في عدد محدود للغاية من المنتجات الزراعية، والتراجع النسبي في أسعارها - على الرغم من أنها لا تزال مرتفعة مقارنة بالأطعمة والأغذية التقليدية - كل هذا أسهم بشكل فعال في اتساع نطاق استهلاكها.

مع هذا لا يمكن الادعاء أن الأطعمة العضوية حتى بالنسبة إلى المستهلكين الذين يقبلون عليها تغطي جميع جوانب مائدتهم اليومية، فتكلفة الأغذية العضوية - وفقا لبعض التقديرات - أغلى 20 في المائة من الأطعمة التقليدية، ما يجعل المتسوقين العضويين خاصة من أبناء الطبقة المتوسطة يحجمون عن استهلاكها في كثير من الأحيان.

أثبت كثير من الدراسات أن الزراعة العضوية لها فوائد عديدة، بما في ذلك الحفاظ على التربة واستخدام كميات أقل من المياه وتقليل الاعتماد على المواد الكيميائية الصناعية. مع هذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تكفي تلك المزايا لزيادة مساحة الأراضي المخصصة للزراعات العضوية، ومن ثم زيادة حصة الأغذية العضوية من إجمالي الإنتاج العالمي من الغذاء؟

في أحدث عملية مسح للزراعة العضوية وتطورها على مستوى العالم وقد جرت في شباط (فبراير) الماضي، اتضح أن هناك زيادة بمقدار 1.1 مليون هكتار في الأراضي المخصصة لزراعة المنتجات العضوية، كما استمرت مبيعات تجارة التجزئة للأغذية والأطعمة العضوية في النمو في 187دولة حول العالم، وقدرت السوق العالمية للأغذية العضوية والمشروبات بنحو 198.1 مليار دولار أمريكي العام الماضي، وسط تقديرات بأن تقارب 500 مليار دولار بحلول 2027.

وستواصل الولايات المتحدة ريادتها لهذه السوق، إذ تمثل نحو 30 في المائة من حجم السوق العالمية حاليا، حيث تقدر السوق الأمريكية من المنتجات الغذائية العضوية بما يقارب 60 مليار دولار تقريبا.

وكما في عديد من القطاعات الاقتصادية الأخرى تتواصل المنافسة الشرسة بين الولايات المتحدة والصين في هذا المجال، حيث ستنمو سوق المنتجات العضوية في الصين بمعدل نمو سنوي مركب نسبته 13.4 في المائة للفترة من 2020 إلى 2027، وستكون ثاني أكبر سوق عالمية للمنتجات العضوية في 2027 وسط توقعات بأن تبلغ القيمة الإجمالية للسوق الصينية 86 مليار دولار.

مع هذا لا تبدو مسيرة الزراعة العضوية في نظر كثير من الخبراء الزراعيين سلسة أو ميسرة، إذ هناك عديد من التحديات التي قد تحول في الواقع العملي دون ازدهارها بالطريقة التي يرغب أنصارها فيها.

وقالت لـ"الاقتصادية" كاثرين ويلر المهندسة الزراعية، "للزراعة العضوية تاريخ من الجدل ويعدها البعض نهجا غير فعال لإنتاج الغذاء، وهناك أربعة مقاييس يعتمد عليها لمعرفة الاستدامة الزراعية في هذا المجال وهي الإنتاجية والأثر البيئي والجدوى الاقتصادية والرفاهية الاجتماعية، وتنتج أنظمة الزراعة العضوية غلات أقل مقارنة بالزراعة التقليدية، ومع ذلك فهي أكثر ربحية وصديقة للبيئة، وتقدم أطعمة مغذية بشكل متساو، وربما أكثر من المنتجات التي تحتوي على مخلفات مبيدات حشرية".

وتضيف "بالتأكيد تأثيرها في النظام البيئي أفضل بكثير من الزراعة التقليدية، ومن هنا يمكن القول إنه لا يوجد نهج واحد من شأنه إطعام سكان الكرة الأرضية بأمان، ولذلك هناك حاجة إلى مزيج من أنظمة الزراعة العضوية وأنظمة الزراعة المبتكرة الأخرى، مع ضرورة وجود مجموعة متنوعة من أدوات السياسة الزراعية لتسهيل تطوير وتنفيذ الاعتماد المتزايد على الزراعة العضوية".

من هذا المنطلق يعتقد كثير من الخبراء أن الجهود الدولية لحماية البيئة في حاجة إلى تضمين الزراعة العضوية ضمن استراتيجيتها الراهنة، فالمساعدات الحالية التي يقدمها عديد من الاقتصادات الثرية للمنتجين العضويين تعد ضئيلة نسبيا ولا سيما بالنظر إلى المليارات التي تقدم لدعم القطاع الزراعي.

فغياب دعم حقيقي وفعال للزراعة العضوية يحد بشكل كبير من المساحة المخصصة لزراعة المحاصيل العضوية، فعلى الصعيد العالمي تبلغ نسبة الأراضي المخصصة للزراعة العضوية نحو 1.5 في المائة فقط من إجمالي الأراضي الزراعية.

غياب الدعم الحكومي القوي للزراعة العضوية لم ينجم عنه إضعاف عملية التوسع النسبي في أنظمة الزراعة العضوية فقط، بل أدى أيضا إلى عدم توافر كميات ضخمة من المنتجات الغذائية العضوية، ومن ثم بقاء أسعارها مرتفعة، كما أسهم هذا الوضع في تطور أنماط سلوكية لدى المزارعين العضويين تشبه إلى حد كبير السلوكيات السائدة في الزراعة التقليدية.

بدوره، أكد لـ"الاقتصادية" أيه.دي جورج الباحث الزراعي أنه في إطار الحفاظ على القدرة التنافسية في السوق وتقليل الخسائر الاقتصادية، أصبحت الشركات العاملة في مجال الزراعة العضوية مهتمة بشكل متزايد بالحصول على حصة من سوق المنتجات العضوية من خلال تخفيف المعايير التي يتم تبنيها.

وأضاف "يظهر ذلك بشكل خاص في الاقتصادات الفقيرة التي تعتمد فيها الربحية على القدرة على التصدير لعدم قدرة السوق المحلية على استهلاك تلك المنتجات مرتفعة الثمن، حيث بدأ المزارعون يكتشفون أن التحول لإنتاج أغذية عضوية بهدف التصدير مكلف من حيث شهادات المنشأ والجوانب الإدارية المرتبطة بضمان أن المنتج عضوي بالفعل، ومن ثم فإن الزراعة العضوية في كثير من الدول النامية رسخت مزيدا من الانقسامات الطبقية في القطاع الزراعي، إذ لم يستطع صغار المزارعين أن يتحملوا التكاليف الباهظة لها في ظل ضعف الدعم الحكومي، وقد صب ذلك في نهاية المطاف في مصلحة الشركات الكبرى".

ووفقا لذلك فإن الصخب الذي يثيره كثير من المدافعين عن حماية البيئة لا بد أن يقترن بتضمين استراتيجيتهم إيجاد سبل عملية وفاعلة لدعم قطاع الزراعة العضوية عبر توفير تمويل مستدام لصغار المزارعين من خلال آليات مالية سريعة ورخيصة، تسمح بتوسيع نطاق الزراعة العضوية وزيادة إنتاجية الفدان لتوفير مواد غذائية عضوية بأسعار مقبولة في متناول فئات أوسع من المواطنين للتخلص من الطابع النخبوي، الذي لا يزال يحكم إلى حد كبير سوق المواد الغذائية العضوية.