Advertisements

د. أحمد أبو رحيل يكتب: إذا كانت الرأسمالية هى الحل..... فإن رأسمالية الدولة هى الأفضل

بوابة الفجر
تعد محاولات تحسين مستوى معيشة المواطنين أحد المهام الهامة والرئيسية المنوطة بها سياسات الرعاية الاجتماعية؛ بالإضافة إلى الأدوار والمهام الأخرى، حيث يعلم السياسين والمثقفين أن جميع الدول عادة ماتأحذ سياساتها العامة وسياسات الرعاية الاجتماعية المنبثقة منها من خلال أيديولوجيتين أساسيتين هما "الاشتراكية والرأسمالية"، ولكن بعد انتهاء الحرب الباردة بين قطبى العالم المعسكر الشرقى "الاتحاد السويفتى وحلفائه" من ناحية  والمعسكر الغربى "الولايات المتحدة الأمريكية وغرب اوروبا" من ناحية اخرى؛ أصبح  معظم بلاد العالم تحكم بأيديولوجية واحدة وهى الأيديولوجية الرأسمالية حيث يتضح ذلك من خلال المؤسسات الدولية أمثال صندوق النقد الدولى  الذى يفرض سياساته على مقترضيه؛ وهذه المؤسسات هى التى تدعم هذه السياسات الرأسمالية والتى غالباً ما تلجأ إليها الدول النامية لكى تحاول أن تصلح وتدعم اقتصادها.
ومن هنا يمكن أن نشير إلى أن الدول النامية يكون فيها النظام السياسى الذى تنبثق منه سياسات الرعاية الاجتماعية من تعليم ، صحة، اسكان ... الخ، هو نظام رأسمالى تبعاً لقواعد وشروط صندوق النقد الدولى.
كما يمكن الإشارة إلى أن سياسات الرعاية الاجتماعية تتأرجح  فى المجتمعات الرأسمالية بين أيديولوجيتين متنافستين الأولى منها وهى الأيديولوجية الفردية " الاتجاه المحافظ" و الثانية هى أيديولوجية المسئولية الجمعية "المؤسسية".   
  حيث تقرر الأيديولوجية الفردية أن المواطنين هم المسئولون عن رعاية أنفسهم، وأن الأمان الاقتصادى يجب ألا يتحقق إلا بالاقتصاد والعمل الشاق وأن الدولة بتدخلها فى مجال الرعاية الاجتماعية إنما تحمى العاجز والكسول وتجعل الناس يفقدون الحافز لعلاج أحوالهم ومن ثم فإن هذا التدخل من قبل الدولة يعتبر وفقاً لهذه الايديولوجية ضرباً من الإفساد الأخلاقى، ويؤمن أصحاب هذا الاتجاه أيضا إيمانا شديداّ بالملكية الخاصة فى حين تصادر الرعاية الاجتماعية هذه الملكية لتعطيها للفقراء، ويؤدى هذا العمل من وجهة نظرهم إلى تحويل الشخص من شخص محترم كادح معتمد على نفسه متدين إلى حيوان متواكل؛ حيث يقولون أن جوع الفقراء يحفزهم على العمل حيث يطالبون أصحاب الاتجاه الفردى بأن تقتصر الرعاية الاجتماعية على الإحسان الفردى الخاص بموافقتهم أى بموافقة المستثمرين لأنه ينبع من كرم الملاك الحقيقين للثروة  ولايمثل حقاَ للمواطنين المتلقين بل إنه وصمة يجب أن تنتهى بإنتهاء سبب الحصول عليها؛ حيث ينظر هذا الاتجاه الفردى إلى الرعاية الاجتماعية باعتبارها شبكة حماية اجتماعية لحماية سواقط النظم الاجتماعية المختلفة فى الحالات الطارئة؛ ومن هنا ظهر ما يسمى بمفهوم "الحماية الاجتماعية للفقراء" 
بينما يقف النظام أو الاتجاه الثانى  "المسئولية الجمعية" على  النقيض  من الآراء السابقة فالنظام الاقتصادى من وجهة نظر أصحاب هذا الاتجاه يهدف أساساً إلى النفع العام أكثر منه إلى الربح؛ فهم يرون أن المشكلات الاجتماعية هى اختلال وظيفى طبيعى ناتج عن التصنيع ومن ثم فإن الرعاية الاجتماعية التى تهدف إلى مواجهة هذه المشكلات تعد وظيفة مشروعة للحكومة أوالدولة ، كما يستند هذا النموذج إلى مقدمة منطقية مؤداها أن الرعاية الاجتماعية والسياسات القائمة عليها ليست بديلا مؤقتا  وإنما هى وظيفة أساسية ،كما ينظر إلى المساعدات الاجتماعية والمساعدات العامة على إنها مستحقة ومتاحة لأى مواطن فى الدولة حيث يفترض هذا الاتجاه أن الدولة هى خير مقدم للرعاية الاجتماعية  التى تشتمل على التعليم والعمل والصحة والإسكان وتأمين الدخل....إلخ ؛ فالإطار الشامل للرعاية الاجتماعية يقتضى تقديمها على أساس إنها حق للمواطن ولاتتضمن أى نوع من الوصمة.
كما يمكن إيضاح أن هذا لا يعنى أن النموذج المؤسسى يرفض  دعاوى الحرية والفردية الاقتصادية بل على العكس؛  فإنه لا يتعارض مع النموذج الأول فى منطلقاته ودعواه الايديولوجية بل إنه يرى فى النظام الرأسمالى أعظم النظم الاقتصادية، ولكن الجديد فيما أتى به و هو تغيير نظرة أصحابه لدور الدولة ولنظم الرعاية الاجتماعية من حيث أن هذه الرعاية هى المناهج المتكاملة  للتعامل مع  المشكلات الاجتماعية. 
ولكن هناك من ينتقد الاتجاه المؤسسى حيث  ينظر إلى تدخل الدولة فى الرعاية الاجتماعية على إنه محاولة لفرض حلول جماعية ويحد من تلقائية ومبادأة المواطنين ويقلل من فرص الخيارات المطروحة أمامهم؛ كما أن الخدمات المجانية التى تقدمها الدولة للمواطنين يساء استخدامها وتعتبر خسارة اقتصادية كما تزيد من تواكل واعتماد المواطنين على الدولة وتدمير قدراتهم لإيجاد حلول للمشكلات التى يصادفونها، كما يتطلب توفير هذه الخدمات المجانية فرض المزيد من الضرائب على القادرين مما يؤدى إلى التقليل من معدل النمو الاقتصادى وتدمير طموحات ونشاطات الأفراد المنتجين.  
وفى السياق ذاته هناك من ينتقد النظام الفردى؛ حيث يشير الكثير بأن نظام السوق الحر يتمتع بالكفـاءة ولكنه ليس كاملاً، فهناك اعتراف، حتى من عتاة المنتمين لمدرسة السـوق والاتجاه الفردى  بأن حرية السوق تسمح بالانحراف، ولذا فلا بد من التنظيم والتقنين الذي تضعه الدولة، وتشرف على تطبيقه الهيئات الرقابية، وتعاقب من يخرج عنه، فالحرية بدون حدود تتحول إلى فوضى وشريعة غابة وقانون بحر يأكل فيه السمك الكبير السمك الصغير إذا لم ترافقها قوانين وأنظمة صارمة، ومع ذلك فقد حدث الانحراف، وانفجرت الفقاعة العقارية والمالية، وأدت إلى أزمة عالمية اضطرت معها الحكومات ليس للتشدد في فرض القيود وتطبيقها فقـط بل أيضاً إلى تصرفات تخالف مبادئ السوق، كالتدخل بالدعم المباشر، وامتلاك أسهم رأس المال والإدارة، وحماية المنشآت الفاشلة من الإفلاس.
 ومن هنا نرى  أن ما حصل يعني سقوط مبادئ حرية السوق والفردية ، وأن قدراً من الاشتراكية لا بد منه في عملية الإنقاذ. وباختصار شهدنا ما يمكن وصفه بأنه نوع من رأسمالية الدولة، التي أصبحت تملك بنوكاً وشركات وتقرر من يديرها.، وهذا يتضح جليا فى كثير من البلدان الصين، روسيا، فنزويلا،ايران ....الخ 
حيث يمكن أن نعرف "رأسمالية الدولة" بإنها طريقة لوصف المجتمع الذى تكون فيه القوى المنتجة مملوكة ومدارة من جانب الدولة، وتختلف رأسمالية الدولة اختلافا جوهريا عن رأسمالية السوق الحر من ناحية أن الدوافع السياسية وليست دوافع الربح هى التى تحدد عمليات اتخاذ القرارات الخاصة بتشغيل وتنظيم رأسمالية الدولة.
فلو خير هذا النمط (رأسمالية الدولة) بين الانحياز لصالح حماية حقوق ملكية المستثمرين  وحرية السوق  والانتاج ونمو الاقتصادى الوطنى من ناحية ومبادئ حرية خيارات العرض والطلب  وبين الأجندة السياسية للدولة من جهة أخرى فسوف يتم اختيار الخيارات الآخيرة ، كما أن من شأن رأسمالية الدولة أن تسمح لرأس المال الاستثمارى بفتح قطاعات اقتصادية جديدة وتطويرها مثل التطوير العقارى، وإنشاء مجمعات الصناعة والنقل، و استخراج الموارد الطبيعية؛ كما إنها تعمل على استعادة دور سلطة الدولة فى صنع القرار الاقتصادى وتعمل على  تطويع القطاع الخاص لاستراتيجية الدولة للاستثمار، كما إنها تعمل على تحسين كفاءة المالية العامة وتوليد النمو الاقتصادى، و تمنع وصول الاقتصاد المحلى إلى مرحلة الكساد أو الضعف،  كما إنها تساعد الدولة على وضع يدها على الفائض الاقتصادى لكى تنفقه على خدمات الرعاية الاجتماعية للمواطنين.
 و من كل ماسبق يجب أن ننوه أن رأسمالية الدولة تجعل الدولة تتحكم فى قواعد السوق وتستغل الفائض المالى لتحقيق سياساتها والتى غالبا ما تكون فى صالح المواطنين وخدمتهم وتحقيق رفاهيتهم؛ حيث أن الدولة دائما تقف فى جانب المواطن كحق من حقوق المواطنة وبحكم الدستور والقانون، لكن رأس المال الخاص دائما يهدف إلى الربحية لأصحابه ولا يهتم بمصلحة المواطنين والمجتمع
لذلك فإذا كان الرأسمالية هى الحل فإن رأسمالية الدولة هى الأفضل 
حفظ الله مصر حفظ الله الشرفاء منها