عائشة نصار
كتب
عائشة نصار
Advertisements

عائشة نصار تكتب: صقور طالبان

كيف انتزع «أخوند زادة» زعامة طالبان من «يعقوب» نجل «الملا عمر»؟

صفقة «حقانى» لإجبار واشنطن على الإفراج عن ٥ سجناء فى جوانتانامو

هل يصبح «الملا برادر» رئيس أفغانستان القادم ؟.. ولماذا ضغطت أمريكا على باكستان لإطلاق سراحه؟

«طالبان».. ذلك الوحش الأفغانى، الذى أخرجته الولايات المتحدة الأمريكية من القمقم بعد ٢٠ عامًا، للتفاوض معه، فاعتلى المسرح السياسى الدولى وأثبت احترافًا فى ألعاب المراوغة والمناورة، وانتزاع المكاسب. والآن وبعد القبض على السلطة فى أفغانستان «مروضة» الإمبراطوريات المعاصرة، الواحدة تلو الأخرى، كيف تخطط الحركة المسلحة لمستقبل الحكم فى البلد المنهك، والمأزوم سياسيًا واجتماعيًا؟.

كيف سيكون نظام الحكم الطالبانى، بعد الفتح «الثاني» لكابول، وسقوط الدولة المركزية الأفغانية، بغض الطرف من واشنطن، وكيف سيجرى توزيع السُلطات داخل «الحركة» والبلاد، تحت حكم «العمامة الطالبانية»؟.

لغز »الرجل الثانى«

بعد ٦ أيام من «ليلة سقوط كابول» واستيلاء حركة طالبان على السلطة فى أفغانستان، وصل «الرجل الثانى» و«الوجه العلنى» الأبرز للحركة حتى هذه اللحظة، ودبلوماسيها الأول، وأيضًا رئيس المكتب السياسى لها، الملا عبدالغنى برادر إلى البلاد للمرة الأولى منذ أكثر من ٢٠ عامًا، عائدَا من العاصمة القطرية «الدوحة»، إلى ولاية «قندهار»، العاصمة السابقة لحكم طالبان.

وذلك إيذانًا بعهد طالبانى جديد، والبدء فى مهمة تشكيل «حكومة شاملة»، وإدارة ملف الحكم بالبلاد، بعد أن تولى برادر ملف المفاوضات الطالبانية الأمريكية التى انتهت بانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، وأيضًا «مباحثات السلام» مع الحكومة الأفغانية، التى باءت بالفشل.

انقلبت حياة برادر رأسا على عقب جراء الغزو السوفيتى عام ١٩٧٩، وانضم للقتال مع الملا عمر، وأصبح لاحقًا أحد القادة العسكريين المؤسسين لحركة طالبان مع زعيمها الأول «الملا عمر»، ثم أصبح صهرًا له وتزوج من شقيقته، وكان يشغل منصب نائب وزير الدفاع إبان فترة حكم طالبان الأولى لأفغانستان.

وتولى الملا عبدالغنى برادر، قيادة الحركة لأيام بعد مقتل زعيمها الثانى الملا أختر منصور، بغارة لطائرة أمريكية فى باكستان، وعرف برادر كقائد عسكرى لحركة طالبان، قبل أن تنجح المخابرات الباكستانية فى إلقاء القبض عليه فى كراتشى عام ٢٠١٠، وسجنه لمدة ٨ سنوات، إلى أن تم الإفراج عنه بضغط من الولايات المتحدة الأمريكية التى أرادت التفاوض معه كممثل للحركة فى «الدوحة».

وربما يفسر ميل واشنطن لبرادر، ما يتردد عن أنه كان جزءًا من مجموعة أعلنت استعدادها فى ٢٠٠١، بعد الغزو الأمريكى لأفغانستان، للتفاوض وإبرام اتفاق يتضمن الاعتراف بالإدارة الجديدة لكابول غير أن هذه المبادرة لم يكتب لها النجاح.

والآن يتردد اسم الملا عبدالغنى برادر، فى مقدمة قادة طالبان البارزين، المتوقع قيادة أحدهم للدولة الأفغانية خلال المرحلة المقبلة، وتولى منصب الرئيس الأفغانى القادم.

بين »الملالى« و»حكم المرشد«

فى تصريحات له السبت الماضى، قال متحدث باسم حركة طالبان إنها تهدف إلى الكشف عن «إطار حكم جديد» لأفغانستان، وأن «خبراء قانونيين ودينيين وخبراء فى السياسة الخارجية فى طالبان يهدفون إلى طرحه خلال الأسابيع القليلة المقبلة».

لكن ما لعله يكون شكل نظام الحكم الذى تمهد طالبان للإعلان عنه، وماهيته، فى ظل رسائل التطمينات المكررة التى يصدرها ذبيح الله مجاهد والتأكيدات بعدم إقصاء أى طرف، وتأسيس نظام سياسى شامل؟.

وحيد الله هاشمى، القيادى المقرب من دائرة صنع القرار فى طالبان، كشف فى لقاء مع رويترز، الأربعاء، وتم تداوله إعلاميًا على نطاق واسع بعد ذلك، أن «هيكل السلطة الجديد سيكون مشابهًا لأفغانستان فى الماضى، عندما كانت تحت حكم طالبان السلطة بين عامى ١٩٩٦ و٢٠٠١ «فكان مؤسس وزعيم طالبان آنذاك الملا عمر، بعيدًا عن سلطة الحكم المباشرة، وترك ملفات إدارة الدولة لـ»مجلس حاكم».

وذلك وفقًا لدستور»إمارة طالبان الإسلامية» الصادر عام ١٩٩٨، أثناء حكم الحركة للبلاد، وتم إقراره مجددًا يوليو ٢٠٠٥، وينص على أن «أمير المؤمنين»، زعيم التنظيم، هو أعلى سلطة مطلقة فى البلاد والموجه لـ»جميع السلطات» الدينية والسياسية والعسكرية، ثم «مجلس الحكم» ويقوده «رئيس الدولة»، الخاضع لأوامر وتوجيهات وأوامر «أمير المؤمنين».

وبالتالى رجح هاشمى فى تصريحاته إلى أن أفغانستان قد يحكمها مجلس برئاسة زعيم حركة طالبان، هيبة الله أخوند زادة، وأن يكون نائبه رئيسا للبلاد.

وهو نظام وصف بأنه مماثل فى تكوينه النظام الملالى فى إيران المجاورة، أو يقترب، كما يرى البعض بشكل ما من نظام الحكم للإخوان المسلمين فى مصر، حيث حكم البلاد رئيسًا، يخضع فى النهاية لسلطة وسياسة الهيئة العليا للجماعة (المرشد ومكتب الإرشاد).

وعلى الرغم من وجود آراء أخرى أيضًا ترى أن أخوند زاده نفسه ربما يكون رئيسًا مباشرًا للبلاد وفقًا لصيغة حكم فى المرحلة الجديدة، فقد حسم هاشمى صيغة الحكم الطالبانى وجوهره «الأهم» الذى سيشكل مستقبل أفغانستان، نافيًا أن يكون هناك نظام ديمقراطى بالبلاد على الإطلاق، ومؤكدًا: «لن نناقش نوع النظام السياسى الذى سنطبقه فى أفغانستان لأنه واضح.. إنها الشريعة فحسب».

لكن من هو «أخوند زادة» زعيم طالبان الحالى، ومن هم نوابه قيادات الدولة الجديدة؟.

»أمير المؤمنين«

هيبة الله أخوند زادة، هو الزعيم الحالى لحركة طالبان، و»أمير المؤمنين» والمرشد الأعلى فى دستور الحركة، الحاصل على بيعة أيمن الظواهرى زعيم تنظيم القاعدة، بعد اغتيال سلفه الملا أختر منصور بغارة أمريكية فى باكستان فى مايو ٢٠١٦.

وحاز أخوند زادة على أهميته ومكانته داخل طالبان انطلاقًا من مؤهلاته الشرعية والفقهية، فترأس النظام القضائى والشرعى فيها، كما وتولى مسئولية المحاكم الشرعية فى البلاد إبان حكم الحركة لها قبلًا، ولم يكن أحد القيادات العسكرية بالتنظيم، ويذهب محللون إلى أن دوره على رأس طالبان سيكون رمزياً أكثر منه عملياً.

وكان أخوند زادة من الدائرة المقربة من مؤسس طالبان، الملا عمر، ثم نائبًا لخلفه الملا أختر منصور، كما ينسب له الفضل فى «توحيد» فصائل طالبان الممزقة بسبب الصراع العنيف على السلطة، بعد مقتل الزعيم السابق أختر منصور، وتوليه القيادة.

الزعيم

وبخلاف الملا عبدالغنى برادر «العقل الدبلوماسى» و»الوجه المرن» لحركة طالبان، يوجد نائبان آخران لزعيم الحركة هيبة الله أخوند زادة، أشهرهما هو سراج الدين حقانى، نجل القيادى الأفغانى الشهير فى الحرب ضد السوفيت جلال الدين حقانى.

ويبلغ حقانى الأربعينيات أو الخمسينيات من عمره، ويتزعم الشبكة التى تحمل اسم عائلته، وتنسب لها أعنف الهجمات الإرهابية التى شهدتها أفغانستان خلال العقدين الأخيرين، وصنفت الولايات المتحدة الأمريكية «شبكة حقانى» بوصفها من أشد الكيانات الإرهابية خطرًا على القوات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسى داخل أفغانستان.

واشتهرت الشبكة بعملياتها الانتحارية، واغتيالها للمسئولين الأفغان، فضلًا عن الكفاءة القتالية لعناصرها واستقلاليتهم، وربحهم الوفير، واحترافهم اختطاف الرهائن مقابل الحصول على الفدية، أو إبرام الصفقات، كما حدث مع الجندى الأمريكى بوبرجدال، فأطلق سراحه عام ٢٠١٤ مقابل ٥ سجناء من جوانتانامو.

كما ينسب لشبكة حقانى الفضل فى نجاح العمليات المسلحة لطالبان فى مناطق الجبال شرق أفغانستان، وبالتالى ينظر لها باعتبارها قوة ذات ثقل، و لا يستهان بها فى قرارات الحركة وتوجهاتها.

الوريث

لا يمكن الإستهان أيضًا بالملا محمد يعقوب، نجل الزعيم المؤسس لطالبان ورمزها التاريخى، الملا عمر.

يعتقد أن يعقوب فى الثلاثينيات من عمره، وترأس اللجنة العسكرية الرسمية، صاحبة النفوذ الكبير داخل الحركة، كما يحظى باحترام ومهابة تنظيمية بالغة بسبب نسبه، الذى يرى فيه الكثيرون عاملًا لا يمكن الاستهانة به فى توحيد عناصر الحركة وأطرافها المتباينة، حتى أن البعض يرى أن تعيينه قائدًا للجنة العسكرية، العام الماضى، كان إجراءً رمزيًا لابد منه.

وهناك معلومات تؤكد أن هناك تيارات داخل طالبان، فى سياق الصراع داخلى، قد انحازت بالفعل لاختيار يعقوب زعيمًا للحركة بعد اغتيال الملا أختر منصور، غير أن يعقوب تراجع بالأخير عن المنصب وقدم الملا أخوند زادة من الجيل المؤسس على نفسه، غالبًا لصغر سنه آنذاك، وقلة خبرته، خاصةً العسكرية، بالمقارنة بالقيادات التاريخية للحركة.