Advertisements

طارق الشناوي يكتب: (صوت العرب) بلا صوت!

بوابة الفجر

هل فقد الإعلام المسموع قدرته على الجذب، بعد أن بات صوتًا بلا صدى؟ أم أن القائمين عليه هم الذين صاروا خارج الزمن، مجرد موظفين يملأون ساعات الإرسال، ولسان حالهم يقول (ربنا يعديها على خير ويكملها بالستر)، الكل لا يفكر سوى أن يظل قابعًا على كرسيه، منفذًا التعليمات التى لم يتعودوا على مناقشتها، ويصل إلى سن المعاش بلا ملحوظة واحدة وأيضًا بلا إضافة واحدة.

عرضت قناة (دى إم سى) قبل أيام فيلمًا وثائقيًّا فى ذكرى إذاعة لها تاريخ مشرف (صوت العرب)، بينما لا أحد يضع لها خطة للمستقبل، لقد كانت واحدة من الأسلحة الناعمة للوطن، قبل أن يتم استخدام توصيف الأسلحة الناعمة، دخلت كل البيوت العربية والكل صار يضبط على الراديو موجتها الإذاعية، لأنها ضبطت نفسها على موجة نبض الإنسان العربى.

ولدت الفكرة عام ١٩٥٣ ومنحها عبدالناصر حتى قبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية كل الرعاية، وتولى القيادة الإذاعى أحمد سعيد، وبدأت إرسالها بأغنية (أمجاد يا عرب أمجاد/ فى بلادنا كرام أسياد) تأليف عبدالفتاح مصطفى وتلحين أحمد صدقى، ولاحظ أن كارم محمود حرص على تعطيش حرف (الجيم) على طريقة أغلب العرب، رغم أنها فى الحالتين صحيحة لغويًّا، ولكن هكذا يكون الإعلام.

كان عبدالناصر أحد أهم السميعة، وكثيرًا ما حاولوا أن يوغلوا صدره ضدها، قالوا له إن أحمد سعيد أصبح دولة داخل الدولة، وأمسكوا عليه بعض التناقضات فى التفاصيل بين رسالة الدولة الرسمية وما تقدمه الإذاعة، إلا أن عبدالناصر طلب منهم ألا يراجعوا أحمد سعيد، لأنه كان يدرك أن التحقيق حتى لو تم بهدوء، فسوف يؤدى لا شعوريًّا إلى الخوف من الابتكار، و(باسوورد) النجاح هو الابتكار.

لم تحمل الإذاعة فقط رسالة سياسية، ولكن كانت هناك رسائل فنية وترفيهية، حفلات غنائية تنتقل من محافظة عربية إلى أخرى، كما أن مصر تفتح قلبها لكل الأصوات العربية، روى لى الإذاعى الكبير الراحل وجدى الحكيم أنه مع أشهر ثنائى عرفته مصر (الخواجة بيجو وأبولمعة الأصلى) أعلنوا فى البرنامج أن القيامة ستحدث مساء الغد، كان قد سبق ذلك تحذير سريع يقول إن اليوم أول إبريل ولا تصدقوا كل ما يقال، وبصوت جاد أعلن أحد الإذاعيين أن عالم فلك روسيًّا وآخر أمريكيًّا وثالثًا يابانيًّا أكدوا المعلومة، وطلب أبولمعة وبيجو من المستمعين الاستعداد لمغادرة الحياة، وحدث فى الشارع شىء من الانفلات كاد يهدد أمن الدولة.

تم تقديم وجدى وبيجو (فؤاد راتب) وأبولمعة (محمد أحمد المصرى) للنيابة، ولم يجد أحمد سعيد سوى الرئيس جمال عبدالناصر لإنقاذهم من حكم بالسجن كان ينتظرهم.

الإذاعة كلها وليست (صوت العرب) بدأت تتوارى، ولكن يظل تراجع صوت العرب يشكل الألم الأكبر، التوجه العربى أحد الثوابت الاستراتيجية مهما تغير الخطاب السياسى، المكون القومى العربى لم ولن تفرط فيه مصر، حتى مع تغير عنوان الوطن من (الجمهورية العربية المتحدة) إلى (جمهورية مصر العربية)، ظل الملمح العربى أحد ثوابتنا، إلا أننا مع الأسف ألقينا المسؤولية على عاتق موظف لا يملك شيئًا سوى تنفيذ التعليمات (حافظ مش فاهم) وهكذا ضاع ولا يزال صوت العرب، مثلما ضاعت ولا تزال الإذاعة!!.

[email protected]
المقال: نقلاً عن (المصري اليوم).