عبد الحفيظ سعد
كتب
عبد الحفيظ سعد
Advertisements

عبدالحفيظ سعد يكتب: «مملكة الزاهد» فى مصر القديمة

«عندى ٤٠٠ سنة» بهذه الجملة، اعتاد الشاعر الكبير نجيب شهاب الدين (١٩٤٤- ٢٠٢١)، أن يجيب عندما يسأل عن عمره.

«عمى نجيب» والذى رحل عن الدنيا قبل أيام فى مطلع الشهر الجارى، أخذ قراراً فى نهاية العقد الخامس من عمره، أن يعيش حياة الصوفى الزاهد فى مملكته الخاصة بمصر القديمة.

هذه المملكة، لا تخضع لقوانين ومعاملات هذا العصر، بل تسيرها قواعد فرضها صاحب المملكة، غير مسموح فيها بالحديث عن المكسب والخسارة، غير مقبول أن يتنافس أو يحقق مكسبا، سوى فى لعبة «الطاولة».

المملكة عبارة عن شقة مائة متر إيجار قديم، أثاثها متواضع ومحدود، إلا من الكتب وشرائط الكاسيت القديمة، والتى استولت تقريبا على غالبية مساحة المملكة، لدرجة أن كل ما فيها من تجهيزات وأثاث، كانت لخدمة الكتب والموسيقى التى أحبها.

يعيش هناك فى زمن بعيد، يتخيله عن مصر التى أحبها وعبر عنه بكلمات قصيدته الغنائية الخالدة «يا مصر قومى وشدى الحيل» والتى تغنى بها الشيخ إمام.

وهى القصيدة التى كتبها فى عز شبابه عام ١٩٦٩، عقب النكسة التى كسرت وجدان هذا الجيل، سطر كلماتها ومعها خمس أغان أخرى غناها الشيخ إمام، غير منسوب له منها سوى «سايس حصانك» و«مرمر زمانى»، بينما باقى أغانيه نسبت لشعراء آخرين ممن كتبوا لإمام.

مرت سنوات، تزوج نجيب ممن اختارها وأحبته (صوفى) فرنسية رقيقة تشاركه نفس المشاعر والإنسانية، أنجب منها آسيا وإسماعيل، وانشغل معهم فى الحياة ليعمل فى إحدى المنظمات التابعة للأمم، متنقلا بين عواصم عدة فى روما وباريس وفيينا، لكن كانت عشقه للقاهرة يجذبه.

فى سنوات الغربة، ولياليها الباردة، لم يشغله جمع المال، ولا تشغله ثروة، كان يناديه لمصر صوت الشيخ مصطفى إسماعيل، فى هذا الصوت، كما حكى اليسارى العتيق، معتنق الإنسانية «تتجسد أمامى صورة مصر فى ريف بلدى «البتانون» بالمنوفية، وحوارى القاهرة التى عشت فيها».

مصر التى أحبها، ندهته فعاد بعد أن اشتد عود الأبناء، واستقرت لهم سبل الحياة فى بلد توفر الحياة لكن من يعيش فيها.

ترك الأبناء والزوجة والوظيفة المعتبرة فى المنظمة الدولية، وحتى جنسية البلد الأوروبى ليعود لمعشوقته التى كتب فيها الأغانى فى شبابه.

مصر، ظل نجيب شهاب الدين يحبها ليس لتاريخها أو جغرافيتها، أو حضارتها، بل يحب مصر لأنها أم المصريين، هذا الشعب صاحب عبقرية الخلود.

يصف الشاعر الراحل «الإنسان المصرى» بأنه أجمل وأرقى من على هذه الأرض، يؤمن به حتى العبادة، يبدع له فى تبرير أخطائه، كأنه أم تدلل فتاها.

أحب مصر وعاد إليها، وكان لديه أمل أن يجد فيها ما كان يحلم به فى شبابه وعبرت عنه كلماته، لكن صدم فى الواقع، مع تغير الأحوال.

ومن تلك اللحظة ومنذ تسعينيات القرن الماضى، قرر العزلة فى مملكته (شقة) مصر القديمة، فيها وضع القوانين الخاصة لعالم نجيب شهاب الدين، لا أحد يتحدث عن المكسب أو الخسارة، ليس فيها أصحاب مناصب، ممنوع المنافسة أو الشجار سوى فى «الطاولة».

باب «المملكة» لا يوجد له مفاتيح، تطرق الباب المغلق «بحشو ورقة»، وتدخل.. لا أحد يسأل عن دين أو يتفاخر صاحب منصب بجاه، أو يتباهى غنى بثروتة..

عندما تطرق الباب غير مطلوب منك أن تخلع حذاءك، لكن صفى قلبك واخلع منصبك، ووجاهتك، لتعيش بقوانين صاحب المملكة، تستطيع أن تسد جوعك أو عطشك بما فيها من ماء وطعام، ولا تسأل.

تستمع للموسيقى الشرقية، وأنت تعلم أن أحدث مطرب يمكن أن تستمع إليه من جيل محمد فوزى، يمكن أن تستمع لموسيقى بيتهوفن أو بخ، كما يمكن الاستمتاع بصوت القرآن من الشيخ مصطفى أو زملائه، يمكنك أن تقرأ من بين مئات أو آلاف الكتب التى يقتنيها.

هكذا كانت مملكة صديقى وحبيبى، وعمى الراحل نجيب شهاب الدين.. مع السلامة.