عادل حمودة يكتب: حرب أهلية فى إسرائيل

مقالات الرأي



واشنطن تدعم القبة الحديدية الإسرائيلية بـ 430 مليون دولار وصواريخ باتريوت

قاعدة أمريكية فى النقب ووكالة الاستخبارات المركزية تفتح مكتبًا لها فى الضفة مسئول حملة نتنياهو يشعر بسعادة إذا ما قتل العرب واليهود بعضهم البعض

تحول «واتس آب» فى إسرائيل إلى غرف حرب يقودها شباب يهودى متطرف دينيا.

أكثر من 100 ميليشيا شعبية تكونت على «واتس آب» لتنظيم هجمات ضد الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ويعيشون على أرضهم ويسمونهم بالعرب حتى ينسوا هويتهم الأصلية.

حسب مجلة «تايم الأمريكية»: طلبت إحدى الرسائل من المتطوعين إحضار «بنادق وخناجر ومضارب ومواسير وألواح خشبية ورذاذ الفلفل وغير ذلك من وسائل القتل أو الإيذاء».

أضافت الرسالة: «سوف نستعيد شرف الشعب اليهودى».

انتهك «شرف الشعب اليهودى» بالصواريخ التى أطلقت من غزة وقتلت 12 إسرائيليا بعد أن عجزت القبة الحديدية عن صدها كلها.

لم يوجه الشباب اليهودى اللوم إلى حكومته التى هزمت وانكسرت وإنما وجه سلاحه إلى جيرانه الفلسطينيين الذين يتعايشون معه منذ سنوات طوال.

ما حدث فى مدينة «اللد» مثال صارخ على إصابة كثير من الإسرائيليين بالحول السياسى.

تقع المدينة التاريخية القديمة فى وسط البلاد وتبعد عن شمال غرب القدس بنحو 38 كيلومترا وتبعد عن تل أبيب بنحو 18 كيلومترا وربع سكانها من الفلسطينيين الذين دفعوا ثمنا غاليا فى التمسك بها بعد أن خسروها فى حرب 1948.

ما أن انتهت الحرب فى غزة حتى بدأت هناك.

300 شاب يهودى يرتدون قمصانا بيضاء ويضعون اليرموكا (غطاء الرأس الدينى) وتتدلى من أكتافهم بنادق (إم 16) وجميعهم من ذوى الخبرة العسكرية وينتمون إلى تنظيم دينى يسمى «جارين تورانى» جاءوا من مستوطنات خارج المدينة لمنع الفلسطينيين من التجمع فى حى يجمعهم معا يسمى «رمات أشكول».

بدأوا فى حرق السيارات واقتحام البيوت وأشعلوا النار فى حاويات القمامة ومنعوا الرجال من الصلاة فى مسجد «العمرى» المعروف بالمسجد الكبير وفتحوا النار على مظاهرة فلسطينية رشقتهم بالحجارة انتهت بقتل أبرياء لم يشاركوا فيها.

انتقلت العدوى إلى عكا ويافا وحيفا والقدس وانفجرت أحداث عنف وتخريب وطعن وضرب بين الشعبين فى وقت تعتقد فيه الولايات المتحدة أنه مناسب لتجدد مباحثات لإنهاء الصراع بينهما.

الحرب اليوم بين إسرائيلى يهودى وإسرائيلى فلسطينى.

حرب أهلية من نوع خاص بدأتها حكومة نتانياهو بالتمييز بين الشعبين حين نجحت عام 2018 فى إقرار قانون يمنح اليهود حصريا حق تقرير المصير القومى وبمقتضاه لم تعد اللغة العربية لغة رسمية.

وبرر نتنياهو ما فعل بأن العرب «طابور خامس» وخرج مساعدوه ليؤكدوا أن العنف ثقافة عربية.

لكن نتنياهو عاد مؤخرا للمصالحة وإيقاف العنف وإعادة تأهيل العلاقة بين الشعبين قائلا: «نحن نعيش سويا فى هذه الدولة وعلينا تجديد المشاركة بيننا مرة أخرى».

على أن دعواه لم تجد اهتماما من أحد.

الفأس ضربت الرأس.

والعنف أصبح الوسيلة المتاحة للتفاهم.

والتعادل فى الموت أصبح القانون الوحيد المباح بعد أن أصبح التعادل فى الحياة أمرا مستحيلا.

إن مشكلة إسرائيل الأساسية أنها رفضت فكرة المساواة فى الحياة حتى أجبرت إلى قبول فكرة المساواة فى الموت.

نسيت إسرائيل التى أقيمت على القسوة أن من يزرع العنف يحصد الدموع وأن من يطفئ الشمس يفرض على نفسه التجمد فى الصقيع.

ونسيت أن الحزن اليهودى خرج من رحم الحزن العربى.

ونسيت أنها لم تقدم زهرة حتى تجد عطرا ولم تكتب رسالة حب حتى تسمع شعرا عاطفيا.

ونسيت أن المعادلات العسكرية ليست معادلات ثابتة أو أبدية إنها مثل سحب الخريف تهطل مرة علينا ومرة عليهم.

أكبر دليل على ذلك الحرب الأخيرة التى شنتها إسرائيل على غزة وانتهت بتهنئة من وزير الدفاع الأمريكى اللواء متقاعد لويد أوستن إلى نظيره الإسرائيلى بينى جانتس على الهدنة التى نجحت مصر فى إقرارها مما يعنى اعترافا أمريكيا بهزيمة إسرائيل.

ويدعم ذلك تحويل البنتاجون مبلغ 430 مليون دولار بصفة عاجلة إلى إسرائيل لتطوير منظومة دفاعاتها الجوية وتعهد بسد حاجتها من صواريخ «باتريوت ــ ثلاثة» لنشرها فى كل قواعدها.

فى الوقت نفسه قررت هيئة الأمن القومى الأمريكية (المسئولة عن جمع المعلومات بوسائل الاتصالات الحديثة) مراقبة غزة بالأقمار الصناعية.

ومن جانبها قررت وكالة الاستخبارات المركزية فتح مكتب لها فى الضفة الغربية.

ولأول مرة وافقت إسرائيل على إقامة قاعدة أمريكية فى النقب ولكنها لم تنجح فى نقل مقر القيادة المركزية الوسطى (سنتكوم) من قطر إليها.

(والقيادة المركزية الوسطى واحدة من أحد عشر قيادة مقاتلة خارج الحدود الأمريكية وتغطى منطقة الشرق الأوسط وأجزاء من آسيا وسبق أن أدارت الحرب فى الخليج والعراق وأفغانستان).

وألغى البنتاجون الاحتفال بمرور ثلاثين سنة على إنشاء «وكالة الدفاع الجوى» فى إسرائيل ودعمها ماليا وتكنولوجيا.

تأسست الوكالة عقب إطلاق صدام حسين 43 صاروخا من طراز سكود فى 19 هجمة امتدت من 17 إلى 25 يناير 1991 وقتلت 13 شخصا وأصابت 239 آخرين ونقلت 590 غيرهم إلى المصحات النفسية العصبية.

لكن إسرائيل لم تعترف بتلك الخسائر إلا فيما بعد مما يشكك فى أرقام الضحايا فى الحرب الصاروخية الأخيرة مع غزة.

والمؤكد أن الصواريخ الفلسطينية أكثر تطورا من الصواريخ العراقية.

وهناك تحقيق أمريكى إسرائيلى حول مدى تهريب صواريخ إيرانية إلى غزة.

وسبق أن أطلقت إيران فى 20 إبريل الماضى صاروخا تعمدت إسقاطه بالقرب من مفاعل ديمونة وكتب محسن دهنوى (عضو الهيئة الرئاسية فى البرلمان الإيرانى) على تويتر:

«القوة الواهية للقبة الحديدية الإسرائيلية تبددت بصاروخ إيرانى واحد من الجيل القديم فماذا ستفعلون مع وابل من الصواريخ الإيرانية المتطورة ؟»

تمتلك إيران بالفعل واحدة من أكبر ترسانات الصواريخ البالستية فى المنطقة يتراوح مداها ما بين 45 إلى 10 آلاف كيلومتر.

وبسبب تلك الترسانة تتجنب إسرائيل الدخول فى مواجهة مباشرة مع إيران أو حزب الله فى لبنان.

والمؤكد أيضا أن الحرب الحديثة أصبحت حرب صواريخ ودرونات (طائرات دون طيار) مما غير من معادلات الانتصار والهزيمة.

لو حاصرت إسرائيل غزة أو ضربتها بالطائرات فإن الفلسطينيين سيوجعون قلبها بإطلاق الصواريخ على مدنها.

معادلة جديدة فى الصراع فرضت نفسها على إسرائيل وحرمتها من ميزة تفوق جيشها برا وبحرا وجوا على الفلسطينيين.

ستفكر إسرائيل ألف مرة قبل أن تقرر القيام بغارة جوية ولو عابرة على غزة.. الثمن سيكون فادحا.. حكومة تسقط.. وحرب أهلية.. وأحداث عنف تدمر وهم التعايش السلمى بين إسرائيليين وفلسطينيين يحملون الجنسية نفسها.

وصفت «تايم» ما يجرى هناك بأنها «حرب فى الداخل» وأقرت بأن «الحرب فى غزة انتهت ولكن إسرائيل لا تزل مكسورة».

والمقصود أن السرطان انتقل من الحكومة إلى الشعب وانقلب الجيران على بعضهم البعض بعد سبعة عقود من العيش معا فى سلام أو هكذا تخيلوا.

فقدت الأجيال الفلسطينية الجديدة الإيمان بالدولة التى ورثوا جنسيتها وتعلموا فى مدارسها وصوتوا فى انتخاباتها.

وبسيطرة العنصرية على المحاكم الإسرائيلية أصبح العنف بديلا.

إن الحرب الأخيرة بدأت بقرار من المحكمة العليا بنزع ملكية بيوت فلسطينية فى حى الشيخ جراح (مدينة اللد) وتسليمها إلى مستوطنات يهودية.

ولكن أحداث غزة غطت على ما جرى فى اللد.

كان القضاء الملاذ الأخير لحماية حقوق الفلسطينيين الإسرائيليين فى مواجهة تعسف السلطة التنفيذية.

حسب تايم فإن رئيس بلدية اللد (ومدير حملة نتانياهو) يائير ريفيفو يعطى الأولوية لليهود المتدينين فى الأحياء العربية ويعمل على هدم بيوتها ويمنع العرب من شراء منازل جديدة أو شراء السكن الحكومى الذى يقيمون فيه».

ونقلت تايم على لسان أمنون سوليتسئو (المدير التنفيذى لمنظمة غير حكومية تعمل على التعايش بين الشعبين): «إن رئيس البلدية يشعر بالسعادة إذا قتلنا بعضنا البعض».

إن هناك مثله لا يعدون ولا يحصون يزرعون العواصف كل يوم ولا يهمهم جنى الرياح فهم لايدفعون الثمن وإنما يدفعه من يريدون العيش معا مثل إستر أوشيجافا اليهودية العلمانية التى زارت جارها الفلسطينى عندما عاد إلى بيته مصابا بعد أن تعرض للضرب على أيدى يهود.

وتضيف تايم على لسانها:

«اعتذرت له ولكن الوضع تغير عند إشارة المرور لم أكن أنظر على الإطلاق إلى من يتواجد فى الحافلة بجوارى اليوم أفعل ذلك».