محمد مسعود
كتب
محمد مسعود
Advertisements

محمد مسعود يكتب: «الشهد والدموع» فى «ليالى» أسامة أنور عكاشة

اختلف مع فاتن حمامة فقررت الانسحاب من «ضمير أبلة حكمت» ورفض تنفيذ ملاحظاتها حتى بعد تدخل ممدوح الليثى

ورفض إجراء تعديلات طلبها عادل إمام للقيام ببطولة «أرابيسك» وقال له: «أنا مش ترزى يا عادل»

«كُل خُلق لما يُسر له»، هكذا قال، لم يدع أنه عبقرى، وإن كان حقا، لا يزال على رأس قمة هرم عباقرة التأليف الدرامى، وعميد الأدب التليفزيونى، بلا منازع. قال إنه إذا ألحَت عليه الكتابة، يتلقى.. وكأنه يكتب ما يملى عليه، أدرك متأخرا أن الأيام تعده ليصبح كاتبا مرموقا، وأن قسوة الأيام، ما هى إلا قالب، خرج منه أكثر تماسكا، بعد أن نضج فى نيران يتمه.. ولهيب وحدته.

جعله فقد والدته فى سن صغيرة، فى حال من التيه، وكلما رأى والدة أى من أقرانه التلاميذ، يحزن.. ويتساءل: ولماذا أنا بلا أم؟، بلا من تحتضن وتضم.. وتحنو وتحتوى، وعندما لم يجد إجابة تقنع عقله، وتطبطب على قلبه الكبير، انزوى.. وانعزل، لدرجة أن المقربين منه، أطلقوا عليه لقب «البراوى»، حينها، لم ينزعج، بينما اختبأ من واقعه فى كتبه، من الأدب إلى الفلسفة، ومن المنطق إلى علم النفس والاجتماع، اتخذ من الصفحات.. درعا تحميه، ومن الحبر.. وقودا لمسيرته، ومن السطور.. سلما يصعد عليه، فى طريقه إلى المجد.

وضع الله بذرة الموهبة بداخل أسامة أنور عكاشة، وهيأ لها المناخ، لتخرج فى أروع صورة، خُلق ليكون مؤلفا، يفيض فكرا وإبداعا، وبدوره، استغل المنحة الإلهية، شكر الله عليها، لم يقل أتيتها لعلم من عندى، بينما كان حامدا شاكرا على إنتاجه الغزير.. ونجاحاته المتتالية التى جعلته واثقا من نفسه ومن قدراته التى تؤهله لخوض المعارك.. كبيرة وصغيرة، لكن تبقى الأم فى أعماله ضلعا مؤثرا.. وحنينا موجعا.

1- أطفال بلا أب وأم

قال أسامة أنور عكاشة إنه أجهش فى البكاء عدة مرات، أثناء كتابته لشخصية «على البدرى» فى رائعته الخالدة «ليالى الحلمية»، بكى وهو يكتب مشاهده، وبكى عندما انتهى من كتابتها وأعاد قراءتها، وقال إن شخصية على البدرى تشبهه إلى حد كبير، فهل كتب أسامة عن نفسه.. عن الطفل اليتيم الذى فقد والدته فى سن صغيرة، عن إحساس الفقد.. ومرارة اليتم.. وندرة الحنان.

كشف كاتبنا العظيم الراحل عن مكنونات نفسه من خلال شخصية «قرينة» على البدرى، وعبر عن إحساسه الشخصى من خلال الشخصية، عندما فُجع مثلما فُجع الكثيرون، بنكسة ١٩٦٧، لحظة سقوط الأحلام الكبيرة، وتحطمها على صخور واقع مزر ومستقبل مظلم.

عوض اشتياقه لوجود الأم فى حياته بوجود شخصية «أنيسة» التى قدمتها الفنانة القديرة فردوس عبدالحميد فى الجزء الأول، واستكملت الفنانة الكبيرة محسنة توفيق بقية أجزاء المسلسل، كان يرى فى فردوس عبدالحميد تحديدا نموذجًا لشخصية الأم كما تصورها، لذلك انزعج منها حينما شعر بخذلانها له فى المرة الثانية من وجهة نظره.

فى المرة الأولى طلبها للعب بطولة مسلسل «الشهد والدموع»، من خلال شخصية «زينب» التى قدمتها فيما بعد الفنانة الكبيرة عفاف شعيب، لكن فردوس كانت قد وقعت فى نفس وقت التحضير عقدا يقضى ببطولتها لمسلسل «ليلة القبض على فاطمة» قصة سكينة فؤاد وسيناريو وحوار الكاتب الكبير الراحل محسن زايد، وإخراج محمد فاضل، ووقتها لم يكن المخرج الكبير والفنانة الكبيرة قد تزوجا، وتم ترشيحها فى البداية عن طريق الكاتب الكبير محسن زايد.

وبما أن الفنانة القديرة فردوس عبدالحميد تحترم تعاقدها، فإنها رفضت بطولة الشهد والدموع، وفضلت عليه مسلسل «ليلة القبض على فاطمة» الذى كان بمثابة التحدى وإبراز موهبتها الكبيرة، خاصة أنها كانت تعلم تمام العلم، أن ثمة مقارنة ستحدث - سواء برضائها أو دون إرادتها- بينها وبين سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة التى قدمت القصة نفسها والدور نفسه فى فيلم سينمائى.

أما المرة الثانية والتى أغضبت الكاتب الراحل حقا، فهى اعتذارها عن الجزء الثانى من «ليالى الحلمية»، لكن بالاستماع إلى وجهة نظر العملاقة فردوس عبد الحميد، فقد يكون كلاهما محقا، فردوس عندما قرأت حلقات الجزء الثانى وجدت أن شخصية أنيسة أصبحت «مهمشة» جدا، على عكس ما وعدها قبل قراءة الحلقات، غضبت فردوس وكانت فى قمة عصبيتها، فنظر لها الكاتب الكبير قائلا: «هو ده الدور إما أن تقبلى وإما أن ترفضى»، رفضت فردوس أن تتعرض للى الذراع وثارت لكرامتها وقالت مش هعمله لأن مش ده اللى اتفقنا عليه من البداية.. واعتذرت بالفعل وحدث زعل كبير بينهما.

لكن بعد سنوات طويلة شعرت فردوس بالندم قائلة: «الحقيقة لو عاد بى الزمن كنت سأقدم الدور ولن أعتذر عنه، لأن الفنان يجب أن يكون ملتزما أمام جمهوره، وقتها ركبنى العناد بسبب أننى شعرت بالحزن ولم يطبطب علىّ أحد.. يجوز لو كان استرضانى بكلمتين لكان الموقف تغير تماما.. لكننى غضبت والأستاذ أسامة غضب فقد كان طيبا جدا وأشبه بطفل كبير».

2- الدراما فوق الجميع

رفع أسامة أنور عكاشة شعارا عظيما أن الدراما فوق الجميع، لم يرضخ لطلبات أكبر النجوم والنجمات واعتبر أن كل من يريد العبث بما يقدمه هو خصم فى معركة محسومة النتائج، حتى عندما اختلف مع سيدة الشاشة العربية النجمة الكبيرة فاتن حمامة، رفض أن يرضخ لطلباتها.

اختلف المؤلف مع بطلة العمل، على طول بعض المشاهد وجدواها، ففاتن القادمة بهذا التاريخ والثقل من السينما، لا تريد تقديم مشهد يبدو وكأنه حشو، وهنا اختلفا اختلافا جذريا، فمؤلف الروائع التليفزيونية يرفض الانهزام أو الانكسار أمام نجمة كبيرة ذات ثقل وتاريخ، لكنها تكاد تكون عديمة الخبرة بملعب الدراما التليفزيونية أو إن صح التعبير فهى ضيفة عليه.. وهو صاحب الملعب والاسم والتاريخ.

وعلى ذلك، كان على أحدهما الانسحاب.. والمؤلف هو الوحيد الذى لا يجوز له الانسحاب لأنه صاحب الفكر ومالك النص الدرامى، فقررت فاتن حمامة الانسحاب، وأن تترك المشروع برمته إلى أسامة أنور عكاشة الذى رفض التنازل تماما ونهائيا.. وهنا قررت المخرجة الكبيرة إنعام محمد على بعد أن وجدت أن هناك إصرارا من الطرفين على ترشيح اسم بديل لفاتن حمامة.

بعد طول تفكير تقابلت المخرجة إنعام محمد على مع رئيس قطاع الإنتاج المؤلف الراحل ممدوح الليثى، وطرحت عليه اسم ليلى طاهر لأنها الوحيدة المناسبة من وجهة نظرها لتعويض غياب فاتن حمامة، فرد ممدوح الليثى (فاتن حمامة لا تعوضها إلا فاتن حمامة.. وده أول مسلسل لقطاع الإنتاج ويجب أن تلعب بطولته نجمة فى قيمة فاتن حمامة).

وبعد هذه الجلسة طلب ممدوح الليثى عقد جلسة رباعية فى مكتبه المطل على النيل، وافقت سيدة الشاشة العربية على حضورها، ولم يمانع الكاتب الكبير أيضا، فيما حاولت المخرجة ورئيس قطاع الإنتاج تقريب وجهات النظر، واستمرت الجلسة نحو الساعة، ونجح خلالها ممدوح الليثى فى إقناع أسامة أنور عكاشة بعمل التعديلات التى طلبتها الفنانة فاتن حمامة، وقال له حرفيا (اعمل اللى تطلبه مدام فاتن)، فرد الكاتب الكبير (هعمل اللى تطلبه مدام إنعام.. لأنها المخرجة).

3- أنا مش ترزى يا عادل

كان الزعيم عادل إمام هو المرشح الأول للعب شخصية «حسن» فى رائعة أسامة أنور عكاشة وجمال عبد الحميد، مسلسل «أرابيسك»، وبينما كان الزعيم يصور أحدث أفلامه «الإرهاب والكباب» كان الكاتب الكبير يتواصل معه من خلال صديقين يرسلهما إليه بالحلقات، ويتلقى ردوده من خلالهما، وهما المخرج الكبير جمال عبدالحميد والفنان الراحل شوقى شامخ، وأثناء إحدى زياراتهما إليه سألهما عادل إمام عن المخرج الذى رشحه أسامة لإخراج العمل قال جمال عبد الحميد: «الأستاذ أسامة مرشح المخرج إسماعيل عبد الحافظ»، وأثنى عادل إمام على الترشيح.. لكنه طالب الكاتب الكبير بعمل بعض التعديلات.. فرفض أسامة تماما.. ونهائيا.. وقال كما أخبرنى المخرج الكبير جمال عبد الحميد: «أنا مش ترزى»، وتبخر حلم الجمع بين عادل إمام زعيم الفن المصرى، وأسامة أنور عكاشة عميد الأدب التليفزيونى، وما زاد الطين بلة هو الخلاف الذى نشب بين شريكى نجاح الملاحم الدرامية (أسامة أنور عكاشة والمخرج إسماعيل عبدالحافظ).. فاعتذر المخرج أيضا عن العمل.

4- مانح الفرص

كعادة الكبار، وهو كبير أسرة الدراما، منح أسامة أنور عكاشة الفرص لزملائه من المخرجين، على رأسهم المخرج الكبير الراحل إسماعيل عبدالحافظ، حينما أسند إليه مهمة إخراج مسلسل «الشهد والدموع»، بعد خلافات فى وجهات النظر بين أسامة وبين المخرج الكبير الراحل رضا النجار.

علاقة العملاقين أسامة وإسماعيل بدأت من المنشأ؛ فى محافظة كفر الشيخ، مسقط رأسهما؛ وتزاملا فى كلية الآداب لكن فى قسمين مختلفين، وكان يعرف عنه دفء مشاعره؛ وعواطفه وإنسانيته؛ لذلك قرر أن يسند إليه مهمة إخراج المسلسل الذى كان يحتاج لمخرج فى موهبة وإحساس وفكر؛ إسماعيل عبدالحافظ، لينقل بدوره تجربة الشهد والدموع فى حياة أسرة مصرية.

وكما منح الفرصة لإسماعيل عبدالحافظ، منحها للمخرج الكبير جمال عبدالحميد، فبعد أن اختبره فى إخراج سهرة درامية، أسند إلى مهمة إخراج مسلسله الرائع أرابيسك ومن بعده زيزينيا فى جزءين.

5- 11 ً عاما على الرحيل

رحيل أسامة أنور عكاشة عنى لى حالة من اليتم، يتم الدراما المصرية من بعده، فمثله، لا يجود به الزمان كثيرا، ولا تعوضنا الأيام بموهبة تقترب حتى من موهبته، مع كامل الاتعراف أن مصر تضم العديد من المواهب والأسماء الكبيرة، وقامات التأليف العالية مثل الأستاذ محمد جلال عبدالقوى صاحب الروائع العديدة أمد الله فى عمره فهو الحبة الأخيرة فى عقد الموهوبين.