مى سمير
كتب
مى سمير
Advertisements

مى سمير تكتب: كتاب جديد.. فضائح ووقائع فساد فى وكالة حماية رؤساء أمريكا


فى عام 2009 نجح رجل الأعمال طارق صلاحى وزوجته فى تجاوز أمن البيت الأبيض والتسلل لحضور مأدبة عشاء رسمية حضرها باراك أوباما

بمجرد ذكر عبارة «الخدمة السرية» أو العملاء السريين المختصين بحماية الرئيس الأمريكى - وبفضل المسلسلات الدرامية وأفلام هوليوود - من الرهان الآمن أن يستدعى الجميع تقريبا على الفور صورة عميل وسيم يرتدى بدلة داكنة، ويتحدث على نحو متكتم فى ميكروفون صغير. 

بالنسبة للأغلبية، فإن الخدمة السرية مرادفة للاحتراف الرصين والشجاعة والإقدام، ولكن فى كتاب «صفر فشل: صعود وسقوط الخدمة السرية» الصادر فى 18 مايو 2021، تقدم الكاتبة كارول ليونيج علاجاً قوياً لكل هذه الأوهام التى قدمتها هوليوود، فهناك الكثير من الشجاعة بوكالة الخدمة السرية المعنية بحراسة رؤساء الولايات المتحدة كما تصفها ليونيج، لكن ليس هناك قدر كبير من الاحتراف كما قد تعتقد، والمؤكد أن الكثير من أعضاء الخدمة السرية فى الولايات المتحدة الأمريكية يفتقرون الرصانة. 

أجرت ليونيج مقابلات مع العشرات من العملاء الحاليين والسابقين والمسئولين الحكوميين والمبلغين عن المخالفات الذين وضعوا وظائفهم على المحك للتحدث عن وكالة متعثرة فى حاجة ماسة للإصلاح، كتبت: «سأكون ممتنة لهم إلى الأبد لأنهم خاطروا بحياتهم المهنية، ليس لأنهم أرادوا الثرثرة والنميمة حول حياة الرؤساء وعائلاتهم، ولكن لأنهم يعرفون أن الخدمة السرية معطلة وتحتاج إلى إصلاح، من خلال سرد قصتهم، فإنهم يأملون فى إحياء الوكالة التى يحبونها».

قامت المؤلفة كارول ليونيج بتغطية الخدمة السرية لصالح صحيفة واشنطن بوست على مدار العقد الماضى، حيث سلطت الضوء على الزلات والفضائح التى ابتليت بها الوكالة، وكانت ليونيج، الصحفية الاستقصائية، جزء من فريق صحفى فاز بجائزة بوليتزر للخدمة العامة فى عام 2014 على مجموعة من التقارير التى كشفت عن توسع عمليات التجسس على الأمريكيين من قبل وكالة الأمن القومى.

1- حماية الرئيس

 ولدت الخدمة السرية الحديثة المعنية بحماية الرئيس الأمريكى من الفشل: بعد اغتيال ثلاثة رؤساء - أبراهام لينكولن و جيمس جارفيلد و ويليام ماكينلى - فى أقل من أربعة عقود، كلف الكونجرس الوكالة، التى تم إنشاؤها فى البداية لغرض وحيد هو مكافحة التزوير، وحماية الرئيس، ظلت الخدمة السرية صغيرة وركزت بشكل أساسى على تزويد الرؤساء بخدمات الحراسة الشخصية حتى وقع فشل آخر، اغتيال جون إف كينيدى عام 1963، لاحظت ليونيج أنه بعد اغتيال كينيدى فقط، تم تطوير الخدمة السرية «من ثلاثمائة عميل وميزانية قدرها 5 ملايين دولار إلى سبعة آلاف عميل وضابط وموظفين آخرين وميزانية تزيد عن 2.2 مليار دولار».

توسعت مهمة الخدمة السرية أيضا: «بدلا من حماية الرئيس فقط، تحمى الوكالة الآن عائلته والعديد من نوابه وحتى خصومه السياسيين»، وقد انتقلت إلى ما هو أبعد من خدمات الحراسة الشخصية البسيطة للتركيز أيضا على مجموعة التهديدات المتزايدة والمتطورة، بما فى ذلك الهجمات الإلكترونية والضربات الإرهابية.

2- أخطاء قاتلة 

قال كريس ويبل، فى عرض للكتاب على صفحات صحيفة نيويورك تايمز، إن كتاب «صفر فشل»، يعد بمثابة تاريخ للوكالة كما أنه «كتالوج مدمر من عدم الكفاءة المدمر وسوء الإدارة الخرقاء».

تقول ليونيج: إن الخدمة السرية مثل سيف ذو حدين، هناك الجزء المتعلق بسرية عمل الوكالة، لقد احتفظ العملاء بأسرار حول الطريقة التى يؤدون بها عملهم، وأين سيكون الرئيس ومتى، وكيف سيدخل مبنى، وحتى البرامج السرية التى تمنعه من استنشاق الجمرة الخبيثة إذا تم إرسال بعضها بالبريد، ما يحافظ على سلامته من هجوم نووى، وغيرها من التفاصيل السرية المتعلقة بحياة الرئيس الأمريكى، ومع ذلك فقد سمحت السرية أيضا لعدد من الأخطاء والفضائح بالازدهار والتوسع دون أى مساءلة. 

تقدم ليونيج وصفا دقيقا وقويا فى كتابها لأخطاء عملاء الخدمة السرية، صفحة تلو الصفحة و مع التفاصيل الدقيقة، ترشدنا فى كتالوج لأخطاء الخدمة السرية من بينها فشلها فى منع محاولة اغتيال شبه قاتلة لجورج والاس خلال حملته الرئاسية عام 1972 والتى تركت حاكم ولاية ألاباما مشلولاً من الخصر إلى الأسفل، موافقتها على مخططات الرئيس ريتشارد نيكسون للتنصت على المكالمات الهاتفية على نحو غير قانونى، عدم قدرتها على منع القاتل المحتمل جون هينكلى من السير على بعد 15 قدماً من الرئيس رونالد ريجان وإطلاق النار عليه، فشلها فى إبقاء المتطفلين والرصاص المتطاير خارج البيت الأبيض فى مناسبات متعددة خلال رئاستى بوش وأوباما، وافتقارها شبه الكارثى للاستعداد والكفاءة خلال أحداث 11 سبتمبر، مما ترك نائب الرئيس ديك تشينى عالقا خارج ملجأ الطوارئ أسفل البيت الأبيض بينما دخلت طائرة مخطوفة المجال الجوى لواشنطن. (على ما يبدو، لم يفكر أحد فى منح العملاء المكلفين بحماية نائب الرئيس حق الوصول إلى الملجأ).

3- فضائح متعددة 

علاوة على هذه الثغرات فى العقود الأخيرة، ابتليت الوكالة بفضيحة تلو الأخرى، معظمها يتعلق بالعلاقات العاطفية غير المشروعة والكحول والمخدرات والعنصرية أو مزيج من الأربعة، حيث تجاهلت الخدمة السرية المخاطر الأمنية الناجمة عن العلاقات العاطفية للرئيس الأمريكى الأسبق بيل كلينتون (كما فعلت فى السابق مع جون كنيدي)، وتورط كبار العملاء مرارا وتكرارا فى شئون محرجة خاصة بهم، ففى عام 2002 على سبيل المثال، نشر موقع US News & World Report قصة حول «سلسلة من السلوك المروع الذى اجتاح الخدمة السرية بين أعلى الرتب»: علاقة عاطفية جمعت عميلاً كبيراً مع مخبرة تناولت جرعة زائدة من المخدرات فى حمامه خلال وقت لاحق، عميل آخر قدم المخدرات لفتاة تبلغ من العمر 16 عاما بعد إقامة علاقة عاطفية معها، ذهب عميل ثالث للتسوق و«ترك وراءه خطة أمنية مفصلة وحساسة للغاية لحماية نائب الرئيس تشينى فى متجر أدوات التزحلق على الجليد».

فى عام 2008، بعد ثمانى سنوات من مقاضاة الوكالة من قبل العملاء من الأصول الإفريقية بتهمة التمييز العنصرى، أدت عملية الاكتشاف - التى تأخرت بسبب تباطؤ الخدمة السرية - إلى ظهور مجموعة من رسائل البريد الإلكترونى التى كتبها كبار مسئولى الوكالة وتبادلوا فيها النكات العنصرية، إلى جانب حالات متعددة قام فيها مسئولون رفيعو المستوى بتنزيل ومشاركة صور إباحية.

وفى عام 2012، تم إجبار ثمانية عملاء على ترك الخدمة السرية بعد أن استأجروا فتيات ليل أثناء إحدى السهرات الماجنة حيث كان أغلب العملاء فى حالة سكر فى كارتاخينا، كولومبيا، فى هذه الليلة قال عميل كبير، بعد تناول كميات كبيرة من الخمور، لباقى العملاء : «أنت لا تعرف كم أنت محظوظ، سوف تقيم علاقات عاطفية فى جميع أنحاء العالم». 

 فى وقت لاحق من ذلك العام، انتحر عميل عندما كشف تحقيق داخلى عن ثغرات أمنية متعددة، بما فى ذلك الرحلات الخارجية غير المبلغ عنها والعلاقات العاطفية مع رعايا أجانب، فى عامى 2014 و 2015، احتل عملاء الخدمة السرية عناوين الصحف للقيادة تحت تأثير الكحول، بما فى ذلك قيام اثنين من كبار العملاء بتحطيم سيارتهما فى حاجز أمنى بالبيت الأبيض بعد حفل تقاعد لأحد العملاء تناولا فيه قدراً كبيراً من المشروبات الكحولية. 

فى عام 2009، نجح رجل الأعمال طارق صلاحى وزوجته آن، أثناء مشاركتهما فى أحد برامج الواقع بالتليفزيون الأمريكى، فى تجاوز أمن البيت الأبيض، والتسلل لحضور مأدبة عشاء رسمية دون دعوة والتقيا باراك أوباما، تسببت هذه الواقعة فى حرج كبير لمؤسسة الرئاسة الأمريكية. 

كما يحكى الكتاب عن عملاء يلتقطون صورًا سيلفى مع حفيد الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب أثناء نومه، سأل ترامب مشرفهم، «هؤلاء الرجال لم يكونوا منحرفين، أليس كذلك؟» وكان الرد: «لقد كانوا مجرد أغبياء». 

4- علاقات عاطفية 

كما يكشف الكتاب أن فانيسا ترامب، زوجة الابن الأكبر للرئيس الأمريكى السابق، دونالد ترامب جونيور، «بدأت فى مواعدة أحد العملاء الذين تم تعيينهم لعائلتها». تقدمت فانيسا ترامب بطلب طلاق فى مارس 2018. أفادت ليونيج أن العميل المعنى لم يواجه إجراءات تأديبية لأنه لم يكن هو ولا الوكالة الأوصياء الرسميين لفانيسا ترامب فى ذلك الوقت.

كتبت ليونيج أيضا أن تيفانى ترامب، ابنة دونالد ترامب من زوجته الثانية، مارلا مابلز، انفصلت عن صديقها و«بدأت تقضى وقتاً كبيراً مع أحد عملاء الخدمة السرية»، يقول الكتاب إن قادة الخدمة السرية «أصبحوا قلقين بشأن مدى قرب تيفانى من العميل الطويل والوسيم».

يحظر على عملاء الخدمة السرية تكوين علاقات شخصية مع من يقومون بحمايتهم، خوفا من أن هذه المشاعر قد تؤثر على حكمهم، وأفادت ليونيج أيضا أنه لم يكن من الواضح ما إذا كان دونالد ترامب يعرف ما يقوله أفراد الخدمة السرية عن ابنته وزوجة ابنه، لكنها تقول إن الرئيس السابق سعى مرارا وتكرارا إلى إزالة موظفى الخدمة السرية الذين اعتبرهم يعانون من زيادة الوزن أو قصر القامة، وقال ترامب لمسئولى الخدمة السرية: «كيف سوف يحموننى أنا وعائلتى إذا لم يتمكنوا من الجرى فى الشارع؟»

فى النهاية، يترك الكتاب القراء للتفكير فى سؤال مقلق: لم يتم اغتيال أى رئيس منذ عام 1963، لكن هل هذا بسبب «مهارات الخدمة السرية أو تدريب وتقنيات أفرادها» - أم أن الأمر مجرد حظ؟، حسب الكتاب، على الرغم من سمعتها المعززة فى هوليوود بكونها منظمة تتسم بالاحتراف، فإن الخدمة السرية تشبه تماما أى منظمة أخرى مكونة من البشر، وهذا يعنى أنها تتسم بالفوضى بعض الشيء، ولكن كما تذكرنا ليونيج، فإن الفوضى البشرية العادية ليست جيدة عندما يتعلق الأمر بشيء حيوى مثل الأمن الرئاسى.