عائشة نصار
كتب
عائشة نصار
Advertisements

عائشة نصار تكتب: مافيا الإخوان فى النمسا

وثائق سرية بمنزل شقيق قيادى إخوانى تكشف أسرار «الجهاز السرى» للتنظيم بالبلد الأوروبى

«قائمة أعداء» وعناصر سرية تراقب برلمانيين وصحفيين نمساويين وتصورهم فى المناسبات والحفلات  

شبكة شركات «أوف شور» عابرة للحدود وتمويلات لجامعات نمساوية ومراكز بحثية

فى نوفمبر الماضى قامت النمسا بضربة أمنية كبرى، رصدت لها ٩٣٠ شرطيًا من وحدات مختلفة، ونفذت مداهمات فى ٤ ولايات اتحادية، بينها فيينا، واستهدفت أشخاصًا وجمعيات ومقار مرتبطة بالإخوان المسلمين، على خلفية التورط فى أنشطة تدعم الإرهاب، ونشر الأفكار المتطرفة والتحريض على العنف، بالإضافة إلى صلاتهم بقيادات إرهابية دولية وعمليات غسيل أموال.

أكثر من ٢٠ مليون يورو لإخوان النمسا، فى صورة أصول وأموال سائلة، تستخدم فى تمويل الإرهاب تمت مصادرتها، بالإضافة إلى تجميد ١٣٠ حسابًا بنكيًا، والقبض على ٣٠ شخصًا والتحقيق الفورى آنذاك مع ما يزيد على ٧٠ مشتبهاً به من عناصر التنظيم الدولى، وكذلك تفتيش ٦٠ شقة ومنزلًا ومقرًا تجاريًا وناديًا تابعة للإخوان، فضلًا عن مصادرة الشرطة النمساوية خلال المداهمات أجهزة إلكترونية ووثائق ترتبط بالإخوان وحركة حماس.

وكان فحص شبكة الإخوان على الأراضى النمساوية قد استغرق عامًا كاملًا قبل البدء فى الحملة الأمنية، وشهد تحقيقات مكثفة من قبل هيئة حماية الدستور ومكافحة الإرهاب (الاستخبارات الداخلية) وفقًا لتصريحات وزير الداخلية النمساوى كارل نيهامر، بالإضافة إلى مراقبة أعضاء  تلك الشبكات لأكثر من ٢١٠٠٠ ساعة، وأكثر من ١.٢ مليون صورة لاجتماعات وتجمعات لأشخاص مشبوهين.

وذلك على خلفية مساعى السلطات النمساوية لضرب نفوذ الإسلام السياسى على أراضيها، حيث تحظى جماعة الإخوان، بوجود كبير فى النمسا، وخاصة فى فيينا وجراتس، سواء عبر ذراعها المركزية «الجمعية الثقافية» أو العشرات من الجمعيات والمساجد والمراكز الثقافية وأشهرها النور فى جراتس، والهداية فى فيينا.

وربط الادعاء العام النمساوى فى مذكرة رسمية سبقت المداهمات ضد الإخوان ومقارهم داخل الأراضى النمساوية، بين إخوان النمسا، وأنشطة مركز الجماعة الإرهابية داخل مصر، وقيام حركة «حسم» الإخوانية التابعة للجماعة، بتنفيذ ٤٣ هجومًا إرهابيًا دمويًا، أسقط شهداءً ومصابين من المصريين.

كما جاءت الحملة الأمنية، وفقًا لتقارير منشورة،  بعد نحو عام ونصف العام من فرض الحكومة النمساوية حظرا على استخدام ونشر رموز وشعارات الإخوان فى البلاد، وضبط خلالها ١٠٠ ألف يورو بحوزة إمام مسجد غامض ينتمى لجماعة الإخوان.

غير أن المفاجأة الكبرى التى  تؤشر لتطور نوعى فى أداء تنظيم الإخوان بالنمسا، وكشفت عنها التحقيقات قبل أسابيع، وأيضًا احتلت الصدارة فى وسائل الإعلام النمساوية،    كانت بشأن وجود «جهاز سرى» لشبكات الإخوان داخل الأراضى النمساوية، يقوم بجمع المعلومات والرصد، ووضع قائمة اغتيالات، وهى ما وصفتها الصحافة النمساوية بـ«قائمة الأعداء»  أو قائمة «العدو».

وهى قائمة عثرت عليها سلطات الأمن النمساوية نوفمبر الماضى، فى منزل أيمن مراد، وهو الشقيق الأصغر لجمال مراد، أحد قادة  تنظيم الإخوان التاريخيين فى النمسا.

وتضم  قائمة الأعداء، أسماء ٤٠ شخصية من الشخصيات العامة وغيرهم، من معارضى الإسلام السياسى فى النمسا، من المسلمين وغيرهم، وتتضمن هذه القائمة معلومات دقيقة وتفصيلية حول هذه الشخصيات، بالإضافة إلى صور لتحركاتهم، وحضورهم لمناسبات وحفلات عامة،  وتشير إلى وضعهم تحت مراقبة مشددة من قبل عناصر سرية للإخوان.

وتشمل القائمة، أسماء لبرلمانيين نمساويين وصحفيين، عرب، أو نمساويين من أصل عربى، مناهضون لتحركات الإخوان المسلمين، أو عرف عنهم معارضتهم يومًا لتيار الإسلام السياسى، كما فى حالة النائب السابق فى البرلمان النمساوى، إفغانى دونمز، والصحفى النمساوى ستيفن بايج، والصحفية كوثر سلام.   

بل  المفاجئ أن هذه القائمة ضمت شخصيات كانوا يعتقدون أنهم يملكون علاقات جيدة مع تيار الإخوان والإسلاميين فى النمسا، ومن بينهم على سبيل المثال الصحفى والخبير العراقى الأصل عامر البياتى والذى علق على ما يحدث بأنه «من الواضح أن هناك شيئا يشبه جهاز الخدمة السرية للإخوان هنا فى النمسا». 

وقد قامت هيئة حماية الدستور «الاستخبارات الداخلية» النمساوية، بإبلاغ جميع الشخصيات المدرجة  أسمائهم على قائمة أعداء الإخوان فى النمسا، واعتبار هذه القائمة قائمة اغتيالات محتملة، تستوجب اتخاذ الاحتياطات الأمنية الازمة، ما دفع بعض هذه الشخصيات إلى تغيير أماكن إقامتهم.

ومازاد الأمر خطرًا أن قائمة أعداء الإخوان التى عثرت عليها الشرطة النمساوية، تضم أسماء لأعداء الإخوان فى النمسا فى الفترة ما بين ٢٠٠٠ و٢٠١٢ فقط، وهو ما يرجح وجود قائمة أخرى أحدث لأهداف الإخوان ، لم يعثر عليها الأمن النمساوى بعد، وفق ما كشف عنه الصحفى النمساوى ستيفن بايج، المدرج اسمه على القائمة نفسها، لصحيفة العين الإخبارية.

الأدهى أن الأمر لا يتوقف أيضًا عند قائمة أعداء الإخوان المرشحة للمراقبة والاغتيال إن لزم الأمر، وفقًا لما سبق، ولكن يتجاوز ذلك للتخوف من  مدى تطور آلية الإخوان نفسها بالبلاد ، ومن هيكلة ذلك الجهاز السرى الإخوانى فى النمسا خاصة، كما يطرح  تساؤلات مخيفة حول وجوده فى دول غربية أخرى من عدمه، إذا كنا نتعامل مع تنظيم دولى فى الحقيقة. 

مخططات الإخوان لا تتوقف أيضًا عن محاولات  النفاذ عبر الفراغات والثغرات البينة فى القوانين المنظمة للحياة فى  الغرب بغية ترسيخ نفوذهم والتأثير على صانع القرار هناك، بما ينعكس على أوضاع الجماعة فى بلدانهم الأصلية إن لزم الأمر.

  وينطبق ذلك على الاختراقات الصامتة لطبقات السياسة والسلطة العليا هناك، وشرائهم العلنى لعدد من الواجهات الحقوقية والإعلامية والمراكز البحثية الأجنبية المعتبرة  عن طريق التبرعات وشيكات الدعم المشبوهة.

وذلك بهدف توجيه بوصلة البحث والاستشارات التحليلية وتلوينها لغسل سمعة الجماعة وتنظيف أياديها من أى دماء أو إرهاب أو إثارة فوضى، وأيضًا دفع كيانات بحثية وعلمية ذات ثقل إلى صدارة الخدعة الإخوانية والمدافعين عنها.

وقد كشفت التحقيقات  النمساوية علاقة بين مشتبه به رئيسى فى قضية إخوان النمسا وشبكة من شركات «أوف شور» خارج البلاد.   وتضم الشبكة التى يعد هذا الرجل مركزها، وكلمة السر فيها،  شركات «أوف شور» تمتد من ليشتنشتاين عبر بنما وجزر فيرجن إلى جزيرة مان وتمتلك هذه الشبكة المعقدة ٤ عقارات على الأقل  فى بريطانيا بقيمة ٥٥ مليون جنيه إسترلينى، والأخطر أن شبكةٌ الأوف شور الأخطبوطية تدور فى فلكها عدة مؤسسات خيرية هذه المؤسسات تمول الدراسات الإسلامية فى جامعات أوروبية بينها جامعات نمساوية.

التأثير المالى السرى للإخوان وصل جامعات مثل هارفارد وييل وكورنيل وأكسفورد وغيرها، وتكفى الإشارة هنا إلى أن القيادى الإخوانى الهارب، يوسف القرضاوى  وكان المدير المؤسس لمجلس أمناء الدراسات الإسلامية بجامعة أكسفورد.

وكذا إلى جامعة سالزبورج كما هو الحال فى الحالة النمساوية، حيث درجت، وهى من الجامعات المرموقة حول العالم، على تلقى الهدايا الإخوانية المليارية، دونما إبلاغ الهيئات الحكومية المسئولة عنها، كما يقتضى القانون.

وهنا يأتى دور مؤسسة قطر الخيرية، كإحدى أكبر الجهات المانحة للأموال، وأهم داعمى التنظيم من الخليج إلى أوروبا وأمريكا الشمالية وجنوب شرق آسيا، فيما تصنفها مراكز بحثية غربية مثل مينا ووتش النمساوى، باعتبارها الواجهة الأشد تداخلًا والتصاقًا بـ«تمويلات جماعة الإخوان وحماس والكادر الإخوانى المعروف فى أوروبا طارق رمضان، حفيد المرشد المؤسس حسن البنا».

مخططات الإخوان الملتوية فى أوروبا، يزيد عليها فى الأخيرة توازى نشاطات التنظيم فى الجامعات بالقارة العجوز، مع حلفاء آخرين غير القطريين، وهما تركيا وإيران.

وتدفع النمسا الثمن غاليًا لذلك التغلغل وبالأخص على المستوى الأكاديمى، فعالم السياسة والأستاذ بجامعة سالزبورج، فريد حافظ، والمحسوب على الإخوان، وهو أحد المشتبه بهم حسب التحقيقات النمساوية فيما يتعلق بالاختراق الإخوانى، يشبه الملاحقات الأمنية لفيينا لعناصر جماعته بالإبادة النازية لليهود، ما أشعل غضبًا سياسيًا وحكوميًا نمساويًا عارمًا ضده.

وقد أثبتت التحقيقات النمساوية مؤخرًا سعى حافظ وقيادات إخوانية نمساوية لتأسيس مدرسة على النمط الإخوانى فى فيينا، كما تشكك دوائر أمنية فى مؤشر الإسلاموفوبيا السنوى الذى يشرف عليه حافظ، والذى تصدره مؤسسة البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية «سيتا» التابعة مباشرة لنظام الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، حيث تتعاظم الشكوك حول توجيه ذلك التقرير الذى صدر لأول مرة عام ٢٠١٥، لخدمة أغراض التغلغل الإخوانى التركى فى النمسا وأوروبا.