محمد مسعود يكتب: أساطير الدراما 33.. «البخيل وأنا» زمن فريد شوقى وحسين عمارة

مقالات الرأي




السيناريست محمد خليل الزهار اتهم بطل المسلسل بإقحام اسمه على المسلسل وأن إسهامه فى القصة لا يتعدى

..وفريد شوقى يرد: منذ ثلاثين عاما شاركت نجيب محفوظ وعلى الزرقانى والسيد بدير التأليف.. فمن هذا المبتدئ المغرور؟!

كريمة مختار تكتب مشاهدها فى كراسة بحبر ملون وتفتح الأقوس «هنا سأبكى».. و«هنا سأنفعل»

كيف تحول على إدريس من طالب مديون بـ800 جنيه إلى مساعد مخرج لحسين عمارة فى مسلسلين من بطولة فريد شوقى

المخرج استعان بالممثل السعودى بكر الشدى فى دور «كمال» لأن المملكة ستشترى سعر الحلقات التى سيظهر بها بمبالغ مضاعفة

محمود الحفناوى المرشح الأول لدور «عطا».. وكبر سنه يهدى الدور لمحمد هنيدى

ملك الترسو كان يستثمر فى الفن لعشق التمثيل.. وخصص أجره فى المسلسل لإنتاج فيلم «شاويش نص الليل»

فى كواليس مسلسل «البخيل وأنا» كان الفنان القدير الراحل فريد شوقى يحكى لأسرة العمل؛ عن نوادره مع البخلاء، وكيف كان له أصدقاء لا يخرجون محافظهم أبدا فحسب، بينما كان أحدهم يبكى عندما يرى فريد شوقى يدفع مبلغا كبيرا فى عزومة على العشاء أو عند شراء أى شىء، ويقول صديقه البخيل «خسارة الفلوس، حرام تضيع كده».

ربما استلهم فريد شوقى من نوادر البخلاء من أصدقائه فكرة المسلسل التى تدور حول «عوض» تاجر الشنطة، الذى جمع ماله وعدده؛ وأخفاه عن أسرته التى فرض عليها ضيق الحال، بحجة أنه لا يملك من حطام الدنيا أى شىء؛ وعلى النقيض يأتى شقيقه «عبدالرحمن» المعتدل؛ الذى يبسط لأسرته، ويحيون فى ظله؛ حياة كريمة.

1- تكرار التجربة

خرج مسلسل «البخيل وأنا» للنور فى نوفمبر من عام 1990؛ بعد عامين فقط من تقديم مسلسل «صابر يا عم صابر»، بنفس كاتب السيناريو «محمد خليل الزهار» والمخرج حسين عمارة؛ علاوة على بطلة المرحلة فى دور الأم الفنانة القديرة الراحلة كريمة مختار.

المدهش أن المخرج الكبير «على إدريس» كان شاهدا على التجربتين، لكونه عمل مساعدا للمخرج الكبير الراحل حسين عمارة، وكان لعلى إدريس مع المخرج الراحل عشرات الحكايات (وقتها كنت أدرس فى معهد السينما؛ كنت قد أنهيت الدراسة، لكننى كنت أنتظر مشروع التخرج، كان ذلك فى شتاء 1987، كنت جالسا فى حرم المعهد أحمل هموم الدنيا لتعرضى لضائقة مالية كبيرة، وصلت لحد اقتراضى مبلغ 800 جنيه، وكان مبلغا كبيرا فى هذا الوقت، فوجئت بزميلى الممثل أيمن عزب، وكان وقتها يدرس فى معهد الفنون المسرحية، يدخل إلى المعهد، فوجدنى وقال على الفور «كويس إنى لقيتك يا على، أنا بعمل مسلسل اسمه صابر ياعم صابر، ومساعد الأستاذ حسين عمارة مشى وساب المسلسل، تعالى اشتغل معانا؛ وذهبت من منتصف التصوير تقريبا لتبدأ علاقتى بالأستاذ الكبير).

2- الأصل والتاريخ

ربما لا تعلم الأجيال الجديدة أن المخرج الكبير حسين عمارة؛ هو ابن المخرج الكبير الراحل إبراهيم عمارة الذى أخرج عددا كبيرا من الأفلام السينمائية لكبار النجوم على رأسها «لحن الوفاء» للعندليب الأسمر عبدالحليم حافظ والدلوعة شادية، و»الزوجة السابعة» للموسيقار محمد فوزى ومارى كويني؛ و»هجرة الرسول» لماجدة وإيهاب نافع، و»الجريمة والعقاب» للفنان القدير شكرى سرحان، وتخرّج حسين عمارة من المعهد العالى للسينما سنة 1971، وكان ذا كاريزما وصوت جهورى، لكن المحيطين به كانوا يشهدون على أنه طيب القلب.

وبعد أن شارك المخرج على إدريس كمساعد مع المخرج حسين عمارة فى مسلسل «صابر ياعم صابر»، استدعاه المخرج للعمل معه فى مسلسل «البخيل وأنا» لكن هذه المرة ليبدأ العمل كعنصر أساسى، وليس كبديل لمساعد راحل (الحقيقة أن المخرج حسين عمارة كان عاشقا للدراما الشعبية، وبارعا فيها، وكان محبا للبسطاء والغلابة، وبالمناسبة هو ابن شقيقة المخرج الكبير حسن الصيفى، وعندما استدعانى للعمل معه فى «البخيل وأنا» لم أكن أملك هاتفا فى منزلى، بينما كنت أخرج فى الصباح للجلوس على المقهى، ليخبرنى القهوجى بوصول أوردر على التليفون، وكان من دفعتى السيناريست خالد جمال، وكان والده مدير إنتاج المسلسل الأستاذ جمال حسنى؛ لذا لم يكن العثور على صعبا عندما قال الأستاذ حسين عماره «هاتولى على إدريس»، دخلت للمسلسل وكنت مساعدا ثانيا، وكان المساعد الأول «فوزى على» وهو صاحب خبرات طويلة لعمله مع عاطف سالم وصلاح أبوسيف، وقبل بدء التصوير أصيب الأستاذ فوزى بوعكة صحية شديدة، دفعته للجلوس فى المنزل؛ ودفعتنى لأكون المساعد الأول والثانى، ووقعت عقدى بواقع 250 جنيها أسبوعيا، وبعد رحيل الأستاذ فوزى عن العمل ارتفعت إلى 350 جنيها، وتم تصوير المسلسل فى عشرة أسابيع، فحصلت فى النهاية على 3500 جنيه، وكانت ثروة بالنسبة لى، لكن ثروتى الأكبر أننى تعاملت مع هؤلاء العمالقة).

3- الكاستينج

لم يكن هناك أى اختلاف فى وجهات النظر بين الفنان الكبير الملك فريد شوقى والمخرج الكبير حسين عمارة، وقررا أن يستعينا ببعض النجوم الذين شاركوا معهما فى « صابر يا عم صابر»، وعلى رأسهم الفنانة القديرة كريمة مختار التى وافقت على العمل بمجرد اتصال من الملك فريد شوقى كاتب القصة، حكى لها فيه عن طبيعة دورها، فوافقت على الفور، خاصة أن العمل من إخراج حسين عمارة، وقرر بطل المسلسل ومخرجه، إسناد دور «لطفي» لوائل نور الذى شارك معهما فى مسلسلهما السابق بدور «على» ابن فريد شوقى أيضا، علاوة على الفنانة أمل إبراهيم لتلعب دور «إنشراح أم زوبة»، وحسنى عبد الجليل ليقدم دور «نجاتي» بواب العمارة التى يمتلكها عوض سرا.

أما الفنانة حنان شوقى فكانت ترشيحا خالصا للملك فريد شوقى، وافق عليه المخرج حسين عمارة، وقالت حنان إن فريد شوقى أخبرها أنه قرر اختيارها عندما شاهدها فى دور «قمر» الذى قدمته فى رائعة أسامة أنور عكاشة وإسماعيل عبدالحافظ «ليالى الحلمية».

4- نصيب هنيدي

لم يخف الفنان الكيبر محمد هنيدى حالة الرعب التى عاشها عندما رشحه صديقه، مساعد المخرج على إدريس، لتقديم دور «عطا»، وحكى هنيدى الواقعة فى أكثر من برنامج تليفزيونى قائلا: (على إدريس كان زميلى فى المعهد، سابقنى بأكثر من دفعة، كنت أطلب منه دائما أن يرشحنى فى أى دور، وكان رده الدائم إن شاء الله، وفى صباح أحد الأيام فوجئت ببعض الزملاء يقولون لى إن على قالب عليا المعهد، وتقابلنا فقلت له خير يا على، قال هناك مسلسل مع الأستاذ فريد شوقى، وقتها كنت من الفرحة سأتعرض للإغماء، قلت له أى حاجة يا على، حتى ولو مشهد واحد، قال إنه دور كبير لكن يارب أن يكون من نصيبك، لأن هناك ممثل آخر مرشح للدور لكن الأستاذ فريد والمخرج مش مبسوطين منه، قعدت أدعى عليه بالليل ألا يقبلوه فى الدور ليكون من نصيبى، وقد كان وتم رفض الترشيح، وائل نور قال لهم إنه سمع عنى من المعهد، علاوة على ترشيح على إدريس؛ فطلبوا منى الذهاب لمكتب المخرج فى السابعة مساء، وأعطانى على الحلقة وحفظت جميع المشاهد).

عندما دخل هنيدى إلى مقر شركة إنتاج المخرج حسين عمارة، كان فى حالة من الرعب، لكونه سيلتقى بالملك فريد شوقى والقديرة كريمة مختار علاوة على المخرج حسين عمارة، جلس أمام الجميع ليقرأ دوره أمام كل هؤلاء العمالقة، وبعد قراءته لمشهد واحد قال المخرج «كفاية»، ظن هنيدى أن «كفاية» تعنى فشله فى اجتياز الاختبار، لكن المخرج حسين عمارة قال لهم «مضوه» وحصل هنيدى على أجر يبلغ 750 جنيها فى المسلسل.

الحكاية التى حكاها هنيدى عبر وسائل الإعلام لم تتضمن اسم الممثل المرشح قبله، لهذا أعدت السؤال على المخرج الكبير على إدريس (كنت قد تخرجت من المعهد العالى للسينما، بينما لا يزال هنيدى طالبا بمعهد الفنون المسرحية بعد أن حوّل أوراقه من جامعة القاهرة، وقلت للمخرج حسين عمارة عنه وكنت واثقا من أنه سيفوز بالدور رغم ترشيح ممثل آخر هو الفنان محمود الحفناوى، لكن ترشيح الحفناوى لم يرق للمخرج أو لبطل المسلسل الأستاذ فريد شوقى، لكون عمره كبيرا وكان من الصعب أن يكون مقنعا فى دور الأخ الأصغر لـ» زينب أو زوبة» التى أدت دورها الفنانة فاطمة الكاشف، وجاء بالفعل وقرأ الحلقة وكان الدور من نصيبه).

5- بكر الشدي

شارك فى بطولة المسلسل الممثل السعودى بكر الشدي؛ فى دور كمال، ابن «عبدالرحمن» الشخصية الثانية التى قدمها الملك فريد شوقى ضمن أحداث المسلسل.

وبكر الشدى حاصل على دكتوراة فى الآداب من جامعة درم ببريطانيا عام 1988، واستعان به المخرج بالاتفاق مع البطل لأسباب تسويقية، سألت عنها المخرج الكبير على إدريس فقال: (كان ممثلا جيدا وأجاد تقديم الدور باللهجة المصرية، واستعان به المخرج لأسباب تسويقية بالفعل، فالمملكة العربية السعودية فى ذلك الوقت كانت تشترى الحلقات بسعر مضاعف فى حال مشاركة أى ممثل سعودى بالمسلسل؛ وعلى ذلك ضم المخرج الممثل السعودى بكر الشدي).

6- فريد.. الفريد

روى لى المخرج الكبير على إدريس، كواليس الفنان الكبير فريد شوقى أثناء تصوير المسلسل، واستوقف المخرج المساعد فى ذلك الوقت الحب الشديد الذى يكنه ملك الترسو للمهنة التى كان يعشقها وكانت سوقه الوحيد، فما كان يكسبه من الفن يصرفه على الفن، فبعد حصوله على أجره عن مسلسل «البخيل وأنا» الذى أنتجته الشركة العربية للإنتاج الإعلامى التى يملكها الشيخ صالح كامل رحمه الله، وكان المخرج حسين عمارة هو المخرج المنفذ له، قرر الملك إنتاج فيلم «شاويش نص الليل» واستعان بصديقه وشريكه حسين عمارة لإخراج الفيلم.

أما عن الكواليس فقال لى على إدريس: (كان يدخل إلى البلاتوه وكنا نصور المسلسل فى استوديو مصر فى صباح كل يوم وهو يغنى، وشديد الشياكة، وكأنه ذاهب لموعد غرامى، واستوقفنى معه موقفين شاهدتهما بعينى، الموقف الأول فى بداية التصوير عندما قرر الانعزال فى مكان بمفرده ومعه أحد المشاهد الخاصة بشخصية عبدالرحمن، وقتها اقتربت منه لأرى ماذا يفعل، فوجدته ينطق الجمل الحوارية للمشهد بأكثر من طبقة مع اختلاف الصوت فى كل مرة، وعندما سألته بتعمل أيه يا أستاذ؟، قال لى أبحث عن طبقة صوت لعبد الرحمن تكون مختلفة عن صوتى العادى الذى سأتحدث به فى المشاهد الخاصة بعوض، واستمر وقتا طويلا لحين اقتناعه بالطبقة والاختلاف بين صوته فى كل من الشخصيتين، أما الموقف الثانى، فأثناء التصوير أيضا تعرض لتعب شديد جدا، وكنا نتحايل عليه ليترك موقع التصوير والعودة لمنزله، لكنه أصر على الاستمرار، وعندما اشتد تعبه، طلب الدواء وقال سأستريح فى غرفتى بالاستوديو ساعتين وسأعاود التصوير، حب للعمل والمهنة لم أشاهده بهذا الشكل غير من الفنان العظيم فريد شوقى، كانوا جميعهم قادرون على تحويل أى موقف عادى يحدث فى حياتهم إلى مشهد سينمائى أو تليفزيونى.. كانوا عباقرة بحق).

ومن فريد شوقى إلى كريمة مختار لم يختلف حب العمل والإحترافية الشديدة كثيرا (الفنانة العظيمة كريمة مختار كانت تحضر فى كل يوم تصوير سواء مشاهدها باستوديو مصر أو بعزبة فخرى بك التى صورناها فى طريق 6 أكتوبر أو حتى فى شقة جاردن سيتى حيث منزل عبدالرحمن، وفى يدها كراسة، بداخلها المشاهد التى ستصورها فى اليوم، وكانت تكتب مشاهدها بخط يدها وبالألوان سواء الحمراء أو الخضراء وكانت تفتح أقواس وتكتب مثلا «هنا سأنفعل»، أو «هنا سأبكي» الناس دى لم تكن تعمل من أجل الاسترزاق ولا الشهرة، بل كانوا فنانين بحق، والفنانة كريمة مختار كانت تريد أن تقدم لى أى خدمة لأنها كانت ترانى متعبا جدا، فقد كنت أصور من السبت والخميس وفى يوم الجمعة أذهب لمنزل المخرج حسين عمارة فى مصر الجديدة لنحدد المشاهد التى ستصور فى اليوم التالى، علاوة على أننى مثلت شخصية طالب مغترب يسكن فى شقة عوض).

7- أزمة الملك.. والسيناريست

المعروف أن مسلسلى «صابر يا عم صابر والبخيل وأنا» كتب لهما السيناريو والحوار الكاتب محمد خليل الزهار الذى خرج فى تصريحات بعد عرض المسلسل الأخير يتهم فيها الملك فريد شوقى بإقحام اسمه على تيتر المسلسل كونه صاحب القصة علاوة على مشاركته فى كتابة السيناريو.

التصريحات الصحفية أغضبت فريد شوقى بشدة فكتب ردا نشر فى صحيفة «الوفد» جاء فى عنوانه «تاريخى كمؤلف سينمائى يرجع إلى 30 سنة»، أما نصه فجاء كالتالى هاجمنى هذا الشخص مدعيا أنه هو وحده مؤلف مسلسلى «صابر ياعم صابر والبخيل وأنا» وإننى وضعت اسمى على التيترات بوصفى كاتبا للقصة ومشاركا فى السيناريو والحوار، مع إنى لم أقدم سوى الفكرة فيما لا يزيد عن ثلاث أو أربع صفحات، وحقيقة الأمر أن هذا الكاتب الذى لا يزال فى طور البداية والتجريب اعترف بنفسه فى هجومه علىَّ أننى قدمت له الفكرة مكتوبة فى ثلاث أو أربع صفحات، وأنا هنا أقول أليست هذه الفكرة هى القصة، 99% من القصص السينمائية والتليفزيونية تكتب أساسا فيما لا يزيد عن خمس صفحات؛ ثم يوضع لها السيناريو والحوار فيما بعد بواسطة كاتب أو أكثر، فعلى أى شيء تجنح وتتهم وتعترض؟، وهذا الشخص الذى استكبر أن يوضع اسمى مع اسمه فى تيترات التأليف مع اعترافه بأننى صاحب الفكرة الأساسية والقصة نسى أو أنه لا يعلم أن اسمى وضع منذ أكثر من ثلاثين عاما جنبا إلى جنب وفى لوحة واحدة مع اسم أديب مصر العظيم نجيب محفوظ، الذى شرفنى بالاشتراك فى تأليف قصة وسيناريو وحوار أفلام عظيمة خالدة مثل «جعلونى مجرما والفتوة والأسطى حسن» وغيرها، كذلك اقترن اسمى كمؤلف للقصص السينمائية مع فطاحل وكبار كتاب السيناريو المصريين ومنهم على سبيل المثال لا الحصر على الزرقانى والسيد بدير، ولم يحدث أن قال أحد من هؤلاء الكبار ما قاله هذا المبتدئ المغرور».