عادل حمودة يكتب: السودان لمصر ومصر للسودان

مقالات الرأي



قبل ثورة يوليو كان لجميع الأحزاب المصرية فروع نشطة فى السودان.. وبعد الثورة أصبحت الخرطوم العاصمة العربية التى أعادت إلى جمال عبدالناصر ثقته فى نفسه

بريطانيا اشترطت الانفصال عن السودان مع توقيع اتفاقية الجلاء عن مصر وفى يناير 1956 أعلن السودان استقلاله 

بعد 30 سنة من الشقاء سقط حكم البشير فدخل السودان مرحلة نقاهة غيرت كثيرًا من صفاته وأوصافه

رفع جعفر نميرى سماعة التليفون ليتصل بزوجته قائلا:

«بثينة الجماعة يشتهون طبق الوريج من يدك».

كان يقصد بالجماعة ثلاثة من صحفيى «روزاليوسف» هم صلاح حافظ وهبة عنايت وأنا أما الوريج فأكلة سودانية شهيرة تطبخ بأوراق البسلة لا بحباتها.

كنا نجلس إليه فى معسكر الشجرة جنوب الخرطوم حيث بدأ انقلابه من هناك فى 25 مايو 1969 حين عجز عن الحصول على رواتب الحامية العسكرية التى يقودها فى الجنوب طوال سنة كاملة.

فى ذلك الوقت من مايو 1980 كنا نمثل الجانب المصرى من مجلة الوادى التى صدرت بشراكة بين «روز اليوسف» فى القاهرة ودار الصحافة فى الخرطوم لتعبر عن اتفاقية التكامل بين البلدين التى وقعها فى الإسكندرية يوم 21 فبراير 1974 أنور السادات وجعفر نميرى.

بين البلدين عمق مشترك بحكم الجوار الجغرافى وتاريخ ممتد منذ عام 1820 حين وحدهما محمد على تحت حكمه فأزيلت الحدود وتنقل البشر بلا قيود للتجارة والإقامة والمصاهرة حتى وجدنا فيما بعد اثنين من رؤساء مصر يحملان فى عروقهما بصمة سودانية: أنور السادات من ناحية الأم ومحمد نجيب من ناحية الأب كما أن أصول وجذور كثير من أهالى أسوان سودانية أيضا.

قبل ثورة يوليو كان الملك فاروق يحمل لقب ملك مصر والسودان ولكن مع توقيع اتفاقية الجلاء عن مصر 1953 اشترطت بريطانيا انفصال السودان وفى أول يناير 1956 أعلن استقلاله.

قبل الثورة أيضا لم يتواجد حزب ليبرالى أو شيوعى أو فاشى فى مصر إلا وكان له فروع أكثر نشاطا فى السودان حيث يرتفع مؤشر الاهتمام السياسى والثقافى إلى أعلى نقطة فى المنطقة العربية كلها.

إن النيل الذى يأتى من عيون السودانيين يصب فى قلوب المصريين ولكن الأهم أنه يوحد بين جيناتهما المائية بكل ما تحمل من خير.

كانت الخرطوم العاصمة العربية التى أعادت إلى جمال عبد الناصر ثقته فى نفسه حينما خرج الملايين من سكانها يحيونه ويدعمونه وكادوا أن يحملوا سيارته وهو فى طريقه إلى حضور مؤتمر القمة العربية الذى عقد هناك بعد الهزيمة فى 29 أغسطس 1967 وفيها تصالح مع العاهل السعودى الملك فيصل وخرج بيانها الختامى باللاءات الثلاث القوية الشهيرة: لا صلح لا اعتراف لا تفاوض مع إسرائيل إلا بعد تحرير الأراضى العربية المحتلة.

ما أن بدأت مصر حرب الاستنزاف مارس 1968 ــ أغسطس 1970 حتى نقلت الكلية الحربية إلى جبل الأولياء جنوب الخرطوم حيث عمقها الاستراتيجى.

لكن رغم ذلك كله لم تتحمس الدولتان للوحدة بينهما ووجدتا أن التكامل بينهما أفضل من الاندماج الكامل بكل ما يحمل من تناقضات وأزمات واختلافات تفجره من داخله كما حدث فى تجربة الوحدة بين مصر وسوريا 22 فبراير 1958 ــ 28 سبتمبر 1961.

بل إن السودان نفسه يعانى من انقسامات ثقافية وعرقية وقبلية ولغوية ودينية بين أقاليمه الثمانية أدت إلى حروب أهلية لم تتوقف إلا بقبول النظام الفيدرالى.

وبناء على اتفاقية التكامل اتفق على عقد قمة رئاسية مرة فى العام للمشاورة وتذليل العقبات البيروقراطية والتشريعية التى تواجه اللجنة الوزارية العليا المشتركة المكلفة بوضع خطط التكامل فى كافة المجالات على أن تنبثق عنها ثمانى لجان فنية مشتركة.

وعين وزيرا مختصا فى القاهرة وآخر فى الخرطوم تتبعه أمانة عامة تساعده فى متابعة أعمال اللجان وبذل الجهد لتوفير الإمكانيات المالية لتنفيذ الخطط والبرامج.

والحقيقة أن موارد البلدين وخبرتهما كانت كفيلة بتحقيق الاكتفاء الذاتى فى الغذاء للأمة العربية من الخبز واللحم والفاكهة وتوفير ما يقرب من تريليون دولار سنويا فاتورة استيراد الطعام.

ووقعت اتفاقيات ثنائية تكفل حرية الانتقال للمواطنين وتكوين الشركات الخاصة وتشجيع وحماية الاستثمار وسهولة انتقال الأيدى العاملة والسماح بازدواج الجنسية والتعاون الطبى والضمان الاجتماعى لتحقيق الرفاهية للشعبين.

وأعطيت أولوية عالية لشركات النقل لتسهيل حركة الأشخاص والبضائع برا أو نهرا أو بالسكك الحديدية أو الخطوط الملاحية على موانئ البحر الأحمر واعتبر الطيران بين البلدين طيرانا داخليا.

ومما يلفت النظر أن الاستعمار البريطانى تعمد أن يكون عرض السكك الحديدية فى مصر يختلف عنه فى السودان حتى يصعب التواصل بينهما.

وبدأت شركة مشتركة بزراعة 3 آلاف فدان فى منطقة الدمازين لزراعة الحبوب والشاى والتبغ على أن تزيد المساحة إلى مليون فدان خلال الثمانى سنوات التالية.

وتكونت شركات لاستغلال المعادن فى السودان وتصدير الفائض إلى الخارج كما تكونت شركة لرصف الطرق فى مناطق الغابات المثمرة للاستفادة منها ثمار الفاكهة البرية التى تسقط وتتعفن وتنشر الأوبئة مثل المانجو.

وصدرت مجلة الوادى لتدعم الجسور بين عنصرى التكامل واختيرت أنا وشريف تامبل محرر جريدة الصحافة السودانية مديرين مسئولين عن التحرير أما رئيسا التحرير فكان وجودهما شرفيا.

وتمتعت الوادى بحرية جعلت عدد قرائها يتجاوز عدد قراء «روز اليوسف» تحت رئاسة عبد العزيز خميس ومع تزايد الشكوى منها تقرر إغلاقها بقرار من الرئيسين مبارك ونميرى فى اليوم نفسه الذى جددا فيه التوقيع على اتفاقية التكامل فى الخرطوم.

وما أن ترك أنيس منصور منصبه الإدارى والصحفى فى مجلة أكتوبر حتى تركوا له محاولة إحياء المجلة لكن لم يصدر منها أكثر من عددين حتى تغيرت الظروف فى السودان.

انقلب نميرى على نفسه معلنا تطبيق الشريعة وتحول السودان إلى محاكم تفتيش تجلد وترجم تسجن وتقطع الأيدى.

كان نميرى أبترا لا ينجب ولكنه لم يشعر بحاجته إلى وريث إلا بعد أن حصل من إسرائيل ــ بمساعدة تاجر السلاح الشهير عدنان خاشقجى على عشرين مليون دولار مقابل تهريب يهود الفلاشا من إثيوبيا عبر السودان ثم حصل منها على عشرين مليونًا أخرى مقابل دفن النفايات النووية فى بلاده.

ونجحت التيارات الدينية فى إقناعه بأنه إذا ما طبق الشريعة وتزوج من فتاة شابة يختارونها له سوف يأتى بابن يحفظ ما جمع من مال.

ونفذ نميرى ما طلب منه ولكن زوجته ومستشاره السياسى محمد محجوب أثبتا أن الفتاة التى سيتزوجها ستأتى إليه وفى بطنها جنين جاهز وفشلت الخدعة.

واشتعلت الاضطرابات فى السودان وقرر الرئيس ريجان الإطاحة به طالبا من مصر إقناعه بالبقاء فيها عندما تهبط طائرته فى القاهرة للتزود بالوقود قبل عودته إلى الخرطوم وهو ما حدث فعلا.

استقرت الحياة السياسية فى السودان تحت سلطة حكومة ائتلافية مكونة من أحزاب ديمقراطية يرأسها الصادق المهدى ولكن الجبهة القومية الإسلامية التى يرأسها حسن الترابى دفعت اللواء عمر البشير للانقلاب عليها فى 30 يونيو 1989.

استمر حكم البشير 30 سنة انحاز فيها إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة بمن فيها جماعة الإخوان وتنظيم القاعدة واستضاف أسامة بن لادن وأدخل السودان فى حرب أهلية انتهت بانفصال الجنوب وتعرضت دارفور إلى مجازر جماعية أدت إلى إصدار نشرة حمراء من المحكمة الجنائية للقبض عليه ومحاكمته لارتكابه جرائم حرب.

وفى الوقت نفسه عرفت مصر التهديد من الجنوب لأول مرة فى تاريحها حين سمح البشير بتهريب الأسلحة للتنظيمات الإرهابية فى مصر بل أكثر من ذلك استضاف المجموعة التى حاولت اغتيال مبارك فى أديس أبابا.

وبعد 30 سنة من الشقاء سقط حكم البشير ودخل السودان مرحلة النقاهة للشفاء مما أصابه وشل كثيرًا من صفاته وأوصافه.

ويمكن القول إنه عاد إلى مصر.

وكان من الطبيعى أن تعود مصر إليه.

وجاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى السودان لتتجاوز ثلاثين سنة من الغياب ولتجدد شرايين التواصل الذى انقطع ولتعيد للاستراتيجية السليمة اعتبارها المهدر ولتحيى من جديد فرص التكامل فى كافة المجالات لرفاهية الشعبين والتفاخر بنسبهما إلى النهر العظيم الذى يأتى من عيون السودانيين ليصب فى قلوب المصريين.