عندما تحول جامع عمرو لخرائب.. رحلة الفسطاط من البداية للنهاية

أخبار مصر

الفسطاط
الفسطاط


العاصمة الإسلامية الأولى في مصر الفسطاط من البداية إلى لنهاية
عندما تحول جامع عمرو إلى خرائب.. وكانت بهية المدائن 

تعد الفسطاط أولى المدن التي أسسها العرب المسلمون في أفريقيا، وتأسست بعدها ثلاث عواصم أخرى وهي العسكر والقطائع ثم القاهرة، فما هي حكاية الفسطاط ونشأتها، وكيف قامت واندثرت. 

يقول الدكتور عبد الرحمن زكي، في كتابه القاهرة الإسلامية وآثارها، إن العرب لما دخلوا إلى مصر بقيادة عمرو بن العاص عام 18 هـ، مر الفتح بمراحل الأولى إسقاط حصن بابلون، وهو الآن موجود في منطقة مصر القديمة وتحديدًا أمام محطة مار جرجس، والثانية السيطرة على الصعيد، والثالثة فتح الإسكندرية، وبذلك تم تخليص القطر المصري من الحكم الروماني.

والإسكندرية قبل قدوم عمرو كانت هي العاصمة وأراد أن يتخذها مقرًا لحكمه، ولكن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، قال له أن يبني مدينة جديدة يتخذها مقرًا للجند ومن ثم للحكم، ومن ثم اتخذ عمرًا من المنطقة التي استقر فيها جنوده، وهي عبارة عن سهل فسيح، شمالي حصن بابلون كي يختط فيها مدينته، وقال المقريزي "واعلم أن الفسطاط هي الأرض الفضاء ما بين النيل والجبل الشرقي "المقطم، لا فيها بناء سوى الحصن الذي يقال له قصر الشمع والمعلقة"

وبنى عمرًا الجامع العتيق، أقدم الجامع في أفريقيا، وكان يسمى مسجد أهل الراية، حيث أن نواة الجيش الإسلامي كانت من خيرة المهاجرين والأنصار، يرفعون راياتهم، ثم التفت حولهم قبائل العرب كلٌ يرفع رايته، وقيل إن عمرو كلف 4 من الصحابة بتخطيط المدينة، وقيل إن الزبير ابن العوام هو من اختطها. 

لما اكتمل بناء الجامع وقف عمرو خطيبًا في الناس وقال لهم، استوصوا بقبط مصر خيرًا فإن لكم فيهم نسبًا وصهرًا، وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، إذا فتح الله عليكم مصرًا فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا، فذلك الجند خير أجناد الأرض، فقال أبو بكر ولما يا رسول الله، فأجاب صلى الله عليه وسلم، لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة. 

متى بنيت الفسطاط، وبما تميز الموقع
قال البلاذري إنها بنيت بعد سقوط حصن بابلون، وقال بقية المؤرخين أنها بنيت بعد فتح الإسكندرية، وتميز موقع الفسطاط بأنه موقع تجاري يقع على مجرى ملاحي هام، حيث قام عمرو بإعادة حفر ترعة طرايانوس أو "امنيس تراجانوس" والتي كانت تصل الفسطاط بالسويس على البحر الأحمر، وتمر ببلبيس وبحيرة التمساح والتي كانت قد أهملت، فتصاعدت قيمة المدينة حيث اصبح فيها ميناء تجاري.

دار عمرو
في الجهة البحرية من جامعه العتيق بنى عمرو دار له، وابنه عبد الله بنى له دار في الجهة الأخرى، أصغر قليلًا، وبجانبه بنى الزبير دارًا له، ازدادت واتسعت عمارة الفسطاط وفاقت الكوفة والبصرة في، وذكر الجغرافي ابن حوقل القرن العاشر، إن امتدادها بلغ 3 أميال على ضفاف النيل. 

وقال القضاعي المؤرخ عن عماراتها، إن فيها 3600 مسجدًا، و8000 شارع ممهد، و1700 حمام، بالطبع الأرقام فيها مبالغة كبيرة، ولكن خلاصة القول أن الفسطاط كانت عظيمة العمارة، وفي أيام الأمويين ارتقت الفسطاط رقيًا كبيرًا وبنى عبد العزيز بن مروان له فيه دار إمارة فسيحة للغاية، يعلوها قبة مذهبة كعادة الأمويين، في منافستهم للمباني البيزنطية. 

نهاية الفسطاط
استمرت الفسطاط عامرة وفي بهائها ورونقها لمدة 113 عامًا وكان أول ولاتها عمرو بن العاص ومن بعده تولاها 28 أميرًا آخر، كان آخرهم صالح بن علي بن عبد الله من قبل أبى العباس بن محمد السفاح، ثم انتقل الأمراء بعد ذلك إلى العاصمة الثانية لمصر الإسلامية وهي العسكر. 

بدأ حال الفسطاط في الانحدار على مراحل الأولى كانت مع بناء العاصمة الثانية لمصر في العصر الإسلامي، وهي العسكر، ثم القطائع، ثم تعاظم التدهور مع بناء القاهرة، فتبدلت الأحوال في الفسطاط، وانصرف الناس عنها إلى العاصمة الجديدة، وزاد هذا الأمر ما حدث في الشدة المستنصرية، لما استدعى الخليفة المستنصر بالله وزيره بدر الجمالي من الشام لكي يسيطر على الأمور، فاعتنى أشد العناية بالقاهرة، وأهمل الفسطاط بل أتاح للجند المتمردين نهبها. 

وهنا ينقل لنا الرحالة عن الفسطاط بعد الانحدار عدة مشاهد، فيقول الرحالة الأندلسي ابن سعيد والذي زار مصر في القرن الـ 13 عن جامع عمرو، اتخذه الناس طريقًا وموطئًا لأقدامهم، واتخذوه البياعون سوقًا لبضاعتهم، من المكسرات والحلوى، والناس تأكل في جوانبه دون احتشام، وكان الجامع كبيرًا غير مزخرف، مغبرًا تكسو خيوط العنكبوت أسقفه، وكتبت على حيطانه بالفحم والحمرة بخطوط قبيحة من عمل الفقراء العامة. 

ويقول الجبرتي في كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار، القرن الـ 18 عن الجامع، انتشر الموسيقيين والقرداتية والراقصات في فنائه حتى ذهب بهاؤه القديم، ثم هجره هؤلاء أيضًا، ولولا إقدام مراد بك على إعادة تجديده لاندثر تاج الجوامع منذ قرنين"، ولما زار أبي سعيد المغربي الفسطاط قال أبصرت بيوت داكنة وطرق معوجة وأسوار يعلوها السواد. 

حريق الفسطاط الكبير
وكانت الحادثة التي قضت على ما تبقى من الفسطاط هي حادثة حرقها على يد شاور وهو آخر الوزراء الفاطميين في مصر، حيث خشى أن تقع الفسطاط في يد عموري ملك بيت المقدس، والذي أقدم على غزو مصر، فأمر بإحراقها عام 565 هـ، حيث أرسل إليها 20 ألف قارورة نفط، و10 آلاف مشعل، وفرقوا فيها القوارير وأشعلوها، فارتفعت فيها السنة اللهب وظلت مشتعلة مدة 54 يومًا، وأتت النيران على منازل ومباني الفسطاط فتحولت إلى أطلال وكيمان، ولما حدث الحريق رحل عموري، ونزل قرب باب البرقية وقاتل أهلها قتالًا عنيفًا، ولم يتبق من الفسطاط سوى جامع عمرو، وبقايا حصن بابلون.