د. نصار عبدالله يكتب: حادثة فى الإسكندرية

مقالات الرأي




نحن الآن فى الإسكندرية، نشهد مظاهراتها التى اندلعت فى صباح يوم الرابع والعشرين من ديسمبر عام 361م،..الحشود الغاضبة تتراكم فى كل لحظة وهى تتتحرك نحو السجن... فى الوقت الذى كانت فيه طلائع الغاضبين قد وصلت إلى البوابات وبدأت فى تحطيم أبواب السجن واقتحامه، كانت أعداد المتظاهرين قد تزايدت إلى درجة كبيرة،...اندفعوا من الميدان كما لو كانوا ماء يتدفق من إناء ممتلئ فى جميع الاتجاهات....

حتى بالنسبة لمدينة مثل الإسكندرية التى كان العنف والشغب أمرا معتادا بها تماما كهبوب العواصف فى البحر الأبيض المتوسط، فان تلك المظاهرة كانت أكبر من المعتاد. وأغرب من هذا، فإن تلك الجماهير الغاضبة كانت تشكل جبهة واحدة. فبدلاً من الاقتتال المعتاد بين بعضهم البعض، كان الوثنيون والمسيحيون متحدين فى مطالبتهم بالدم.

استقبلت الحشود الغاضبة تحطيم البوابات الخشبية بصيحات الاستحسان. ولم تمر سوى دقائق معدودة حتى عاد مقتحمو السجن للظهور مرة أخرى فى الميدان، ولكن هذه المرة حاملين ضحاياهم على أكتافهم، كما لو كانوا صيادين عائدين من رحلة صيد فى الصحراء حاملين ما غنمته أيديهم. كان الضحايا: ثلاثة مساجين مازالت أيديهم وأرجلهم مكبلة بالأصفاد خشية احتمال هروبهم. وبينما واصل المتظاهرون الغاضبون دفعهم إلى ساحة الميدان كما لو كانوا مجرد دمى...، راح هؤلاء المساكين الثلاثة يطلقون صيحات الألم والرعب.

إثنان من هؤلاٍء البؤساء كانا من شاغلى المناصب الحكومية العليا، وقد نالا حنق الحشود الغاضبة لدورهما فى تنفيذ أوامر الإمبراطورية الرومانية (التى لم تكن بالتأكيد محببة للجماهير بأى حال من الأحوال)، خاصة القرارات الخاصة بإغلاق المعابد الوثنية، ونفى المخالفين الهراطقةلمذهب الإيمان المسيحى (العقيدة المسيحية) كما أقرتها الكنيسة الرسمية، ومعاقبة المعترضين على تلك القرارات بحزم وشدة. لكن هؤلاء المسئولين لم يكونوا هم الهدف الرئيسى للغوغاء الذين انصب جام غضبهم على السجين الثالث المقيد فى أصفاده، والذى كان يشغل مكانة أكبر بكثير من مكانة أى موظف مدنى.

كان السجين الثالث هو جورج الكبادوكى، أسقف الإسكندرية (المدينة المتروبوليتانية) والرئيس الأعلى للمجتمع المسيحى المصرى. كان جورج يدين بالفضل للمكانة الكبيرة التى يتبوؤها، وفى الوقت ذاته للعذاب الأليم الذى يتجرعه الآن، إلى الإمبراطور قسطنطيوس الثانى ابن الإمبراطور الرومانى قسطنطين الكبير أول إمبراطور مسيحى للإمبراطورية الرومانية وخليفته فى الحكم. كان قسطنطيوس وجورج يشتركان فى كونهما من أتباع المذهب الآريوسى، هذا المذهب القائل بأن المسيح هو ابن الله ولكنه ليس إلها فى حد ذاته. ولكون جورج فى الأساس ابنا لتاجر، فكان من الطبيعى أن يمتهن التجارة، واستطاع بالفعل تكوين ثروة طائلة من عمله كمقاول ومورد للجيش الرومانى فى القسطنطينية قبل انضمامه إلى الكنيسة وتقلده مناصب كهنوتية، وكان معروفا بحماسته الدينية الشديدة، وباقتنائه واحدة من أندر وأقيم المكتبات فى الإمبراطورية الرومانية بأكملها. وبعد تقلده منصبه كأسقف لكبادوكيا، فإن الإمبراطور طلب منه تدريس تعاليم الإيمان المسيحى إلى أفراد العائلة الإمبراطورية الصغار. وبعد عدة سنوات، عندما قام الإمبراطور بنفى أسقف الإسكندرية أثناسيوس المصرى الأصل، فانه استدعى جورج الكبادوكى من آسيا الصغرى ليحل محله فى منصب أسقفية الإسكندرية...ولم يكن جورج الكبادوكى يعلم إذ ذاك أن قبوله التعيين فى هذا المنصب هو الذى سيجعله يلقى حتفه ميتا شر ميتة

من كتاب: آريوس وأثناسيوس، تأليف: ريتشارد روبنشتاين

ترجمة د/ أسامة عبدالحق محمد

مراجعة د/ نصار عبدالله (مع تصرف يسير)