د. رشا سمير تكتب: "ابنة النيل".. رواية فرنسية تتغنى بعظمة المصريات

مقالات الرأي



من منا عاش ملامحها ولم يتعلق قلبه بها، من عبر بحارها أو شرب من نيلها ولم تسكن فؤاده أو تغزو عقله، من جاء إليها حاملا سيفه فاستوقفه جمالها لينحنى أمامه وينثر أطواق الورود تحت أقدامها، من جاءها حاكما أو رحالا ولم يخطب ودها أو ينحت لملامحها تمثالا من ذهب؟.

حكى عنها المستشرقون صفحات من التاريخ، ووصفها الرسامون وكتب فيها الشعراء أبياتا من العشق، وتغنى برونقها عازفو القيثارات والنايات، رسم ديفيد روبرتس بريشته لوحات يحكى فيها عن أحوال أهلها ويصف نيلها ونخلها العالى ومعابدها وأديرتها وعبق أسواقها، حكى روبير سوليه فى كتاباته عن كل شبر من أرضها، عن كل حسناء قابلها فسرقت لُبه وعن كل زهرة أقحوان نبتت من بين يديه وهو يحلم بين أفنانها.

حمل إدوارد وليام لين قلمه فوق ظهره ورسم بريشته ألف صورة لمعشوقته، فجاب البلاد من الأقصر حتى الإسكندرية يحكى عن قوامها الممشوق وسحر حضارتها، إنها مصر، أرض الحضارة والسحر وأوراق البردى وزهور اللوتس، إنها مصر، التى تغنى بها الشُعراء وكتب عنها المستشرقون ووصفها الفرنسيون.

1

عاشق ومُلهم

جيلبرت سينويه أديب وروائى فرنسى، ولد بالقاهرة عام 1947، غادر القاهرة إلى فرنسا عندما أصبح فى التاسعة عشرة من عُمره لدراسة الموسيقى فى باريس، ليُصبح عازف جيتار ماهر، ثم قرر وهو فى الأربعين من عمره إصدار روايته الأولى (المخطوط القرمزي) وقد نالت تلك الرواية جائزة jean de› heures كأفضل رواية تاريخية، وفى عام 1989 أصدر رواية من أجمل ما كُتب استعرض فيها حياة ورحلات ابن سينا بعنوان «الطريق إلى أصفهان»، كانت تلك الرواية هى بداية الانطلاقة الحقيقية لجيلبرت سينويه ككاتب لمع اسمه فى كتابة التاريخ.

صدرت روايته (المصرية) التى تروى تاريخ مصر فى القرنين الثامن والتاسع فكانت نواة للمزيد من الكتابة عن هذا العصر الزاخر بالأحداث، نحن هنا بصدد استعراض رواية (ابنة النيل) الصادرة عن دار الجمل وتقع فى 460 صفحة، والتى قام بترجمتها القاص والمترجم المغربى المبدع محمد بن عبود، الذى أمتعنا بقدرته الفائقة على نقل الصورة بشكل مفعم بالحيوية.

تأتى تلك الرواية بمثابة الجزء الثانى من ثنائية تتألف من الروايتين معا، كتبهما فيما يقارب 1000 صفحة، أحداث الروايتين تنمو وتتشابك حول أفراد عائلة مصرية كاثوليكية، هى عائلة (آل شديد) التى تبدو كلبنة للروائى لبناء شكل قصصى يستعرض فيه حملة نابليون على مصر ومرحلة حكم محمد على وبنائه لعصر النهضة الحديثة، وما حيك له من مؤامرات وعراقيل نصبتها له القوى العظمى العالمية لإخفاق أحلامه ومُحاربة هذا التحدى الكبير ورفض خطته للاستقلال، الرواية أيضا تحكى عن التحدى الذى أعلنه محمد على ضد الباب العالى، وما حاولت به القوى الخارجية إقصاءه.

الروايتان هما استكمال لطريق واحد تحفلان بالأحداث التاريخية المبنية فى قالب خيالى، لتضع القارئ أمام صورة يملأها الأمل والإحباط، الصدق والمعاناة، الألم والسعادة التى عاشها شعب مصر الفقير المغلوب على أمره والذى طالما طالت أحلامه يد الحكام الاستعماريين لوأدها.

2

أبطال وحكايات

أراد محمد على «آخر الفراعنة» أن يشيد أجمل قصوره بالإسكندرية، على الطرف القصى من شبه جزيرة فاروس، فوق الرأس المسمى رأس التين، بين المرسى الغربى وعرض المياه، كانت هذه المدينة العتيقة تخطف خياله، ربما لأن الصوامع كانت نادرة ولأن الشوارع غير مزدحمة، ولأن زحام القاهرة يتلاشى أمام صمت أمواج البحر وتضرع الصخور فى الإسكندرية، ففى هذا المكان خطفه البحر وساقه إلى أقداره.

تلك هى الحبكة القصصية التى تنطلق منها الرواية لتلتقط وسط أحداثها الإنسانية أسماء وأحداثا تاريخية، من بين أبطال الرواية أشخاص حقيقيون كان لهم بصمة ودور فى فترة حكم محمد على مثل السان سيمونيين، وهم حركة سياسية واجتماعية فرنسية ظهرت فى النصف الأول من القرن 19، وهم أتباع سان سيمون الفيلسوف والاقتصادى الفرنسى الذى كان يدعو إلى أن السلطة يجب أن تسلم إلى الصناعيين لا للعلماء، لأنهم هم الرؤساء الحقيقيون للشعب.

زج أيضا بأسماء شهيرة مثل فردناند ديليسبس ولينانت دى بلفاند واللورد بالمرستون وغيرهم كثيرون ممن شكلوا تاريخ مصر.

3

من هى ابنة النيل؟

وعن الأبطال المُختلقون فى الرواية، يستكمل سينويه مشوار شهرزاد (بطلة رواية مصرية) فى الحياة وصراعاتها، فى استعراض موازٍ لتاريخ تلك الحقبة التى غيرت وجه مصر تماما، وهى نشأة الأسرة العلوية، من سرد الأحداث تستطيع أن تدرك افتتنان كاتبنا بمحمد على كحاكم عظيم له أمجاد فى بناء مصر الحديثة، الحقيقة أن ميزة سينويه أنه روائى ماهر متمكن من أدواته الحكائية والسردية بل تكمن مهارته فى كونه باحث متبحر فى التاريخ.

تبدأ الأحداث فى ديسمبر 1827 من زواج جيوفانا بسعيد باشا وإنجابها منه طفلين «فؤاد ومليكة»، رغم أن تلك الواقعة قد اختلقها الكاتب للسياق الدرامى إلا أنك تجد نفسك قد غرقت فى تفاصيلها، وتدو حول شهرزاد التى تقمصت دور المصرية فى كتابه الأول، تظهر لنا من بين الصفحات بشخصيتها الآسرة وطريقة تفكيرها المختلفة وتصميمها على تحقيق أهدافها التى قد تبدو بعيدة للمُحيطين بها، فمن هى إذن ابنة النيل؟.

فى أغلب الظن أنها جيوفانا ماندرينو ابنة شهر زاد والفينيسى كارلو ماندرينو، الفتاة الملتصقة بالأرض التى تعشق النيل وتجد نفسها مشدودة إليه، كلما انشغل بالها فتذهب إليه لتفضفض أو تسترخى أو ربما لتحلم.

لقد رسمها الكاتب بريشته الخاصة ومنحها صفات كثيرة متناقضة، لكنها فى المُجمل تشكل شخصية ثرية وغنية، تحاول التأقلم مع طبيعة أمها، فتقارن نفسها بها فى كل شيء حتى فى علاقتها بأبيها، ومع هذه الطبيعة المتمردة مازالت تهتم اهتماما كبيرًا بالفلاحين الفقراء وأهل مصر البسطاء الذين أنهكتهم الظروف فحكوا مآسيهم للأرض والسماء.

يأخذنا الروائى إلى صراع محتدم طول الوقت، بين ابنة النيل العاشقة للنيل وأمها شهرزاد، الحقيقة أن قوة وجمال شهرزاد يتشكلان بقوة داخل نفس أمها على الرغم من طبيعتهما المتنافرة.

من الممكن أيضا اعتبار أن هناك أكثر من ابنة للنيل بداخل هذه الرواية، وهو المعنى الفلسفى الكامن داخل التفاصيل، كورين شديد ابنة خالة جيوفانا وزوجة أخيها هى أيضا ابنة للنيل.

فعلى الرغم من أنها فرنسية المنشأ، لأب فرنسى لم تعرفه إلا أن والدتها سميرة نجحت كثيرًا فى زرع حب مصر لها وعشق كان يسرى فى دمائها سريان النيل فى أرض مصر، الحقيقة أن كورين كانت طوال الوقت تبحث عن كيانها وعن شىء ما ينتقص حياتها ولم تجده إلا عندما أتت إلى مصر باحثة عن أهلها، فتلتقى بهم وتتزوج من يوسف ابن خالتها.

4

المؤامرة المعتادة

تتزوج جيوفانا من سعيد باشا وتُنجب منه طفلين «فؤاد ومليكة»، تتصاعد وتيرة الأحداث العائلية ولقطات عن العشق ونبذات عن دور المرأة فى هذا العصر، ثم يعود الكاتب ليسرقنا من تلك التفاصيل الرومانسية إلى الخط التاريخى وهو فى رأيى ما أضفى على الرواية طابعا خاصا على الرغم من أن بعض القراء قد رأوه تشتيتا فى غير موضعه، أو ربما أضعف روح الرواية.

فى خط موازٍ للدراما يستعرض الكاتب قصة نشأة قناة السويس وكيف كانت حلما فى خيال فرينادند ديليسبس وكيف تآمرت الدول العظمى على محمد على وابنه إبراهيم فى محاولة لتحجيم قواهما بعد أن استشعروا خطورة حلم محمد على بالامتداد والتوسع، نكتشف مع الأحداث أنه على الرغم من الصورة الذهنية التى تم تسويقها عن محمد على لكونه شخصية قوية إلا أنه كان ضعيفا مع الغرب ورضخ لهم مقابل أن يورثوه مصر له ولأبنائه، هنا يطل السؤال المعتاد: كيف كانت المساومة فى كل الأحوال هى جثة مصر؟!.

ابنة النيل هى كل مصرية تعشق تراب هذه الأرض بصدق، هى كل مصرية تعانى وتلاقى الصعاب فى رحلة الحياة، لكنها تصمم دائما على الوصول للمستحيل عندما تريد،

ابنة النيل هى المصرية، وكلاهما رمز لمصر العظيمة التى لا يعرفها أحد.