مى سمير تكتب: ترامب.. من «المافيا» لـ«البيت الأبيض»

مقالات الرأي



«رحلة أمريكية من الطموح.. والإحساس بالذات.. إلى المال والسلطة»

■ اقتحم عالم تليفزيون الواقع ببرنامجه الشهير «المتدرب».. وحصل على 50 ألف دولار مقابل كل حلقة

■ غير انتماءاته السياسية 7 مرات فى الفترة من 1999 حتى 2012 بسبب «المصالح»

■ تمرد على والده منذ صغره.. وكان دائم المعارك مع أساتذته.. وعشق السهرات فى الملاهى الليلية

■ المحامى المخضرم روى كوهين.. الأب الروحى لـ« ترامب» الذى سهل له الاقتراب من عالم البيزنس والسياسة والمقاولات.. والاستشارة القانونية كانت تكلف دونالد 100 ألف دولار

■ دخل من عالم القمار إلى الكازينوهات ومسابقات الجمال ومملكة المقاولات.. وشغل منصب المدير التنفيذى لأكثر من 500 شركة.. وأغلب مشاريعه انتهت بالفشل

■ تورط فى أعمال مع شركات تديرها عصابات المافيا فى نيويورك.. واعتمد على العمالة الرومانية فى مزرعته رغم هجومه المستمر على المهاجرين

■ ورث عن والده حب جمع المال.. وعن والدته الخوف من انتقال العدوى والفيروسات.. وهذا سر ارتدائه «القفاز» أثناء تبادل السلام

■ خصوم دونالد يزعمون أنه بنى إمبراطوريته المالية بـ200 مليون دولار ورثها عن والده.. ودون ذلك كان سيبيع الساعات فى شوارع «مانهاتن»


«دونالد ترامب» ليس لغزاً لكى نبحث عن فك طلاسمه، وليس رجلاً مجهولاً لمحاولة اكتشاف ماضيه، كما أنه ليس شخصية غامضة تخفى أكثر مما تظهر، بل العكس هو الصحيح، فالرئيس الأمريكى الجديد المنتظر أن يبدأ فترة رئاسته فى يناير 2017 هو رجل عاشق للإعلام، أصبحت حياته كتابا مفتوحا يمكن للجميع قراءته.

ما يؤكد ذلك كتاب «الوجه الحقيقى لترامب: رحلة أمريكية من الطموح، الإحساس بالذات، المال والسلطة» للكاتبين الصحفيين مايكل كارنيش ومارك فيشر، والذى يقدم قراءة بين سطور قصة حياة ترامب، ويكشف الكثير من تفاصيل حياته التى شهدت محطات مهمة جمعت بين الفن والسياسة والمال والسلطة، معتمداً على كم لا نهائى من الوثائق والتحقيقات الصحفية.


1- الطفل المتمرد

يبدأ الكتاب باستعراض تاريخ عائلة «ترامب» التى تمتد جذورها إلى ألمانيا، وبدأت قصتها فى الولايات المتحدة الأمريكية مع رجل الأعمال الألمانى «فريدريك ترامب» الذى انتقل إلى «سياتل» وعمل فى مجال المطاعم ليحقق نجاحا كبيرا ويترك لأطفاله «فريد وجون وإليزبيث» ثروة معقولة تمكنهم من الانطلاق فى عالم المال والتجارة.

استقر «فريد» وهو والد «ترامب» فى «كوينز» بنيويورك، ونجح فى صناعة اسم كبير فى عالم المقاولات والبناء، وفى عام 1935 تزوج «فريد» من «ماري» الأسكتلندية الأصل بعد أن التقى بها فى إحدى الحفلات، وعاد للمنزل لوالدته لكى يؤكد لها أنه عثر على فتاة أحلامه التى يريد الزواج منها، ومع بداية عام 1936 تزوج «فريد» من «مارى» التى تفرغت لتربية أبنائها الخمسة، وكان ترتيب ترامب الرابع بين أشقائه حيث ولد فى 14 يونيو 1946.

تمتع «فريد» بشخصية صارمة وحرص على فرض قواعد أشد صرامة على أبنائه، والوحيد الذى كان يستمتع بالتمرد على هذه القيود كان «ترامب»، ففى الثانية عشرة من عمره كان ترامب متشوقا لخوض المغامرات واكتشاف الحياة فى مدينة نيويورك التى أصبحت عاصمة عالمية، وفى مساء كل يوم سبت، وبدون أخذ استئذان والديه، كان «ترامب» وصديقه «بيتر» يستقلان القطار المتجه من «كوينز» إلى «مانهاتن» حيث يقضى الطفلان أمسيتهما فى التنقل بين شوارع «تايم سكواير» والاستمتاع بالأجواء الساحرة فى الميدان الشهير.

ويبدو أن «ترامب» قد وقع فى غرامة هذه المدينة الساحرة منذ أن كان طفلا صغيرا وخطط لكى يتحول لأحد رموزها منذ رحلاته السرية لمانهاتن التى بدأت منذ عام 1958، وكان والد «دونالد» دائما ما يقول له: «أنت ملك ويجب أن تجيد عمل أى شيء تقوم به».

فى المقابل كان الرئيس الأمريكى القادم طالبا متمردا، وكثيراً ما يدخل فى معارك مع أساتذته إلى درجة اعتدائه على مدرس الموسيقى لمجرد أنه قال لـ«ترامب» إنه لا يجيد الموسيقى، ترامب نفسه اعترف بأنه فى هذه المرحلة العمرية كان يحب إثارة المشاكل واستفزاز الناس من حوله.

مدرس الموسيقى اسمه «شارلز والكر» الذى توفى فى عام 2015، لم يقدم تقريرا عن هذه الواقعة، ولكن عندما كان يسأله أحد ما عن «ترامب» كان يكتفى بالإشارة أنه كان طفلا غير سهلاً ومن النوع الذى يحب جذب الأنظار إليه.

وكما ورث «دونالد ترامب» عن والده «فريد» حب جمع المال، ورث عن والدته التى أفنت حياتها فى العمل الخيرى وبالتحديد فى مستشفى «جامايكا» الذى أنجبت فيه دونالد، ورث عنها الخوف من انتقال العدوى والفيروسات وهذا يفسر لماذا كان «ترامب» يحرص فى بداية حياته على ارتداء قفاز أثناء تبادل السلام.


2- الأب الروحى روى كوهين

يخصص الكتاب فصلاً كاملاً للحديث عن «روى كوهين» الأب الروحى والمعلم الأول لدونالد ترامب، ويرسم تفاصيل تلك العلاقة الوطيدة التى جمعت بينهما فى السبعينيات، وكان «ترامب» لايزال فى بداية حياته العملية ويحلم بترك بصمته الخاصة فى دنيا الأعمال بنيويورك، بينما كان «كوهين» محاميا مخضرما اشتهر بألاعيبه القانونية.

بدأت العلاقة بينهما فى أكتوبر 1973، فى أحد الملاهى الليلية عندما اقترب «ترامب» من كوهين وطلب منه مشورته القانونية بشأن قضية مرفوعة ضده وضد والده بزعم أن شركتهما تعمدت بشكل عنصرى عدم بيع الشقق للأمريكان من ذوى الأصول الإفريقية، وكان رد «كوهين» أن على أصحاب هذه المزاعم الذهاب إلى الجحيم، ونصح ترامب بالاستمرار فى القضية، مؤكدا له أنه سيربحها.

وافق كوهين على تمثيل عائلة «ترامب»، وفى ديسمبر من نفس العام عقدت عائلة ترامب مؤتمرا صحفيا أعلنوا فيه مقاضاتهم للحكومة الأمريكية والمطالبة بتعويض تصل قيمته إلى 100 مليون دولار بدعوى أن هذه المزاعم قد أساءت إلى سمعة شركتهم، وتمت تسوية القضيتين دون أن تعترف عائلة «ترامب» بأى ذنب وتم الاكتفاء بتوقيع تعهد يفيد عدم رفض الشركة بيع أى عقار لأسباب عنصرية أو تمييزية.

ومنذ ذلك التاريخ بدأت العلاقة بين ترامب وكوهين، حيث اعتمد الأول على الاستشارات القانونية للثانى فى كافة شئون حياته بدءا من الزواج إلى العمل، وساعد كوهين «ترامب» فى التعرف على الكثير من رجال المال والمجتمع فى نيويورك.

كانت النصيحة الرئيسية التى قدمها كوهين لترامب هى الاعتماد على معادلة بسيطة للغاية وهى الهجوم والهجوم المضاد وعدم الاعتذار أبداً، ومن السهل العثور على ملامح رئيسية لهذه المعادلة فى الحملة الانتخابية الرئاسية لـ«ترامب» التى اعتمدت بشكل أساسى على الهجوم على منافسيه، وعلى معارضيه، وتأجيج مشاعر الغضب والعنف بين مؤيديه.

اكتسب «كوهين» شهرة قانونية واسعة فى الولايات المتحدة الأمريكية بالخمسينيات عندما شغل منصب رئيس لجنة السناتور «جون مكارثي»، وكان يعرف بالعقل المدبر وراء مطاردة أصحاب الفكر الشيوعى أو الاشتراكى فى أمريكا.

فى السبعينيات، أصبح كوهين واحدا من المحامين اللامعين فى نيويورك حيث اعتمد على ذكائه وعلاقاته فى كسب القضايا أو فى القضاء على أى شخص يقف فى طريقه، ودائرة علاقاته المقربة ضمت أسماء مثل رئيس المباحث الفيدرالى الأسطورى ومؤسسها جيه إدجار هوفر، وزعيم المافيا الشهير أنطونى ساليرنو أو انطونى البدين، وكذلك الرئيس الأمريكى الأسبق ريتشارد نيكسون.

وكان ترامب يعتمد بقوة على علاقته مع كوهين فى إتمام العديد من الصفقات، وعندما كان يعارض شخص ما كان يكتفى بسحب صورة «ترامب» من درج مكتبه ويهدد الشخص قائلاً: هل تفضل التعامل مع صاحب الصورة بدلاً منى؟

الاستشارة القانونية كانت تكلف ترامب ما يقرب من 100 ألف دولار فى بعض الأحيان، ولكن بشكل عام كان «كوهين» يقدم استشاراته القانونية لترامب بدون مقابل ثم يحصل على ما يريد من مال عندما يحتاج، بما فى ذلك تقديم نصائح قانونية بشأن شئونه الشخصية مثل زواجه الأول من إيفانا فى عام 1977، التى كانت تعمل كعارضة أزياء فى كندا كما أنها عضوة سابقة فى منتخب التشيك للتزحلق، وبعد عدة شهور من لقائهما قرر ترامب الزواج بها، وهنا نصح كوهين ترامب بضرورة توقيع كليهما اتفاقية ما قبل الزواج لضمان عدم حصولها على أمواله فى حالة الطلاق، كما تضمنت الاتفاقية إعادتها لكل الهدايا التى حصلت عليها من ترامب، ولكن إيفانا قررت التراجع عن قرار الزواج بسبب هذه الاتفاقية، مما دفع كوهين لتخفيف حدة بنودها وسمح لها بالحصول على الهدايا والملابس، إلى جانب الحصول على 100 ألف دولار.

لعب كوهين دوراً محورياً فى حياة «ترامب» حيث ساعده على اقتحام حياة الليل فى مانهاتن، وأصبح اسمه مرتبطاً دائما بأهم السهرات وكما اشتهر باصطحابه للفتيات الجميلات فى هذه السهرات.

ومن أهم الملاهى الليلية التى عرفت شهرتها بفضل «ترامب» ملاهى استوديو 54 الذى حضر ترامب افتتاحه وأصبح فيما بعد المكان المفضل لنجوم الفن والمجتمع فى نيويورك، وكان «روى كوهين» هو المستشار القانونى لأصحاب هذا الملهى.

وكما منح «كوهين» صديقه «ترامب» مكانة متميزة فى سهرات الصفوة فى نيويورك، ساعده أيضا على التمتع بنفوذ سياسى فى قلب البيت الأبيض بواشنطن، حيث جمعت «كوهين» علاقة قوية مع إدارة الرئيس الأمريكى الراحل ريجان، وبفضل هذا النفوذ تمكن ترامب من مساعدة شقيقته ماريان، التى كانت تشغل منصب نائب عام فيدرالى فى نيوجيرسى، فى مشوارها القضائى وبفضل علاقات كوهين تمكنت من دخول المحكمة الجزئية الأمريكية، وكثيرا ما رفض ترامب التعليق على هذا الأمر وكان يكتفى بالقول أنه فخور بشقيقته وأنها تقوم بعمل عظيم.

وقف «كوهين» إلى جوار «ترامب» فى متابعة أحلامه فى عالم المقاولات، ومن أهم إنجازات الرئيس الأمريكى الجديد هو بناؤه لبرج فى قلب مدينة نيويورك وهو المشروع الذى تم بمساعدة «كوهين» الذى استخدم نفوذه من أجل المساهمة فى إتمام المشروع واعتمد بشكل مباشر على تقديم هدايا وتبرعات للكثير من المسئولين من أجل إتمام المشروع، خاصة أن التبرعات والهدايا أسلوب متعارف عليه لدى «كوهين» الذى منح من قبل الرئيس الأمريكى الأسبق نيكسون ظرفا يتضمن 5 آلاف دولار نقدا كمساهمة منه فى حملته للانتخابية للبيت الأبيض، فتعلم «ترامب» من كوهين هذه الاستراتيجية وأصبح ممولاً للحملات الانتخابية للكثير من المسئولين.

وظلت العلاقة بين ترامب وكوهين قوية إلى أن توفى فى عام 1986، يقول ترامب على كوهين إنه كان شخصاً ذكياً، قدم له العديد من الخدمات فى مختلف الأمور، كما أنه كان محاميا قويا ساعده كثيرا، ومن الطبيعى أن يكون لكوهين تأثير قوى على ترامب، فقد التقى به ترامب وهو فى السابعة والعشرين من عمره بينما كان كوهين فى السادسة والأربعين، حيث تمتع بالخبرة الكافية التى تساعد ترامب على تحقيق أحلامه فى مجال الأعمال.


3- متعدد الوجوه

وعلى الرغم من أن الحملة الانتخابية الرئاسية لـ«ترامب» اعتمدت ضمن شعاراتها على شعار «ترامب هو ترامب» فى إشارة إلى ثبات مواقف الرئيس الأمريكى الجديد وعدم تغيرها، إلا أن الكتاب يلقى الضوء على تاريخ طويل من التغيرات والتحولات إلى جانب الوجوه المتعددة التى تمتع بها ترامب على مدار تاريخه.

والجدير بالذكر أن الصحفيين الأمريكان «مايكل كارنيش ومارك فيشر»، كما اعتمدا على الوثائق والمستندات القانونية، اعتمدا أيضاً على مجموعة من الحوارات تم إجراؤها مع ترامب من قبل جريدة «الواشنطن بوست» وامتدت لما يقرب من 20 ساعة.

فى أحد تلك الحوارات تمت مواجهة «ترامب» بحقيقة تحولاته السياسية، حيث غير انتماءه السياسى لما يقرب من 7 مرات فى الفترة من 1999 إلى 2012، وقد برر «ترامب» هذه التحولات بأنها أمر ضرورى ولا مفر منه، واعترف بأن عليه أن يتسم بالعملية فى الحياة السياسية التى تتطلب صنع الأصدقاء من مختلف التوجهات، كما رفض «ترامب» الاجابة على سؤال متعلق بحقيقة تصويته لـ«هيلارى كلينتون» عندما كانت تترشح لمنصب السناتور فى مدينة نيويورك، ولكن المؤكد أنه أقام حفلا لجمع التبرعات لصالحها، كما تبرع لحملاتها الانتخابية ست مرات، ويعلق ترامب أنه شعر بضرورة التمتع بعلاقة طيبة مع الجميع بما فى ذلك آل كلينتون.

ولكن هذا الرجل الذى يرفع شعار «الغاية تبرر الوسيلة» سواء فى حياته العملية أو مشواره السياسى يحمل جانبا عاطفيا كشف عنه الكتاب، حيث أصيب «ترامب» بصدمة عصبية فى عام 1989 بسبب وفاة ستين هايد، مارك إيتس، وجوناثان بناناف المديرين التنفيذيين للكازينو الذى يمكله.

وكان اجتماع قد جمع ترامب بالثلاثة رجال فى برج ترامب واستمر لفترة أطول مما هو متوقع، وبسبب عدم قدرة الرجال الثلاثة على اللحاق بطائرتهم، استقلوا طائرة هليكوبتر للعودة لأتلانتيك سيتى ولكن الطائرة سقطت وتوفى جميع ركابها، ويقول «ترامب» إنه شعر أثناء إبلاغ عائلات الرجال الثلاثة بأنه مثل القائد العسكرى الذى يبلغ عائلات الجنود القتلى برحليهم، والجدير بالذكر أن ترامب كان من المفترض أن يسافر معهم على متن الطائرة ولكنه تراجع عن قرار السفر فى آخر دقيقة.


4- صفقات مشبوهة مع المافيا

تخرج «ترامب» فى جامعة وارتون فى عام 1968 بعد حصوله على درجة البكالوريوس فى علوم الاقتصاد، ومنذ هذا التاريخ اقتحم «ترامب» عالم المال والأعمال وارتبط اسمه بالكثير من الصفقات والعمليات المثيرة للشك.

نطاق واسع من العمليات التى تأرجحت من عالم المقاولات إلى الكازينوهات ومسابقات الجمال، هذا إلى جانب تليفزيون الواقع، ولقد شغل ترامب منصب المدير التنفيذى لأكثر من 500 شركة، ولعل أهم إنجازاته كما يؤكد هو نفسه فى كتابه «فن الصفقة» الذى نشره فى 1987، هو قدرته على بناء مبان تلامس خيال الناس وتنجح فى إثارة دهشتهم.

هناك مجموعة من الحقائق المتعلقة بعمل «دونالد ترامب»، منها أنه يتمتع بموهبة حقيقية فى مجال المقاولات ويقف برج ترامب فى الشارع الخامس فى مانهاتن كخير دليل على هذه الموهبة الفذة، ولكنه فى المقابل لم يحقق نفس النجاح فى مجالات أخرى.

قائمة طويلة من المشاريع المعمارية المهمة تضم برج «ترامب» فى شيكاغو، مزرعة «مارلاجو» فى بالم بيتش، إلى جانب مجموعة من الفنادق والمنتجعات السياحية فى مختلف أنحاء العالم.

ولكن على الرغم من الشهرة الواسعة التى حققها فى مجال البناء إلا أنه لا يعد من أهم الأسماء فى هذا العالم ولا يندرج اسمه فى قائمة أهم عشر شخصيات فى هذا المجال، فى المقابل عدد آخر من المشاريع التى نفذها ترامب لم تحقق النجاح المرجو منها ومنها على سبيل المثال «الكازينو» الذى بناه أتلانتا وأعلن إفلاسه أكثر من مرة وكان الأمر بمثابة ضربة قاسية له، حيث كان يفتخر كثيرا بهذا الكازينو.

وعلى الرغم من محاولات «ترامب» من تخفيف الآثار السلبية لانهيار مشروع «الكازينو» إلا أنه نتيجة لذلك اضطر لبيع اليخت الخاص به، وكذلك طائرته الخاص، وتنازل عن حصص من ملكيته لعدد من الشركات كما تعهد بخفض نفقاته الشخصية، وتسببت تلك النكسات فى تردد الكثير من البنوك الأمريكية فى التعامل مع ترامب، وبحسب إحدى اللجان الفيدرالية التى حققت فى الأصول المالية لترامب، فإن ما يقرب من 15 شركة ذات صلة بترامب لديها مديونة تقدر بما يعادل 270 مليون دولار، فى المقابل رد «ترامب» مؤكدا أنه لا يحتاج للتعامل مع بنوك «وول ستريت» لأنه غنى بالقدر الكافى الذى يمكنه من تمويل مشاريعه دون الحاجة لقروض.

وكما دخل عالم القمار وخسر الكثير من الأموال فى كازينو أتلانتا، دخل أيضا عالم الرياضة فى الثمانينيات واشترى فى عام 1984 فريق نيوجيرسى جنرالز، كما قام بشراء شركة طيران، وكل هذه المشاريع انتهت بالفشل، ما يعكس حقيقة مهمة وهى أن ترامب ليس رجل أعمال ماهرا كما يحاول أن يقدم نفسه للجميع، ولكنه بالتأكيد يجيد فن التسويق لنفسه ولمشاريعه.

يعشق منافسو ترامب الإشارة لحقيقة أن ترامب لم يبن إمبراطوريته المالية بالاعتماد على ذكائه وقدراته الشخصية ولكنه بناها بالاعتماد على 200 مليون دولار ميراثه من والده، وبدون هذه الأموال كان من المحتمل أن يحترف «ترامب» بيع الساعات فى شوراع مانهاتن.

والجدير بالذكر أن «فريد» والد ترامب كان يعد بالفعل فى السبعينيات من القرن الماضى بمثابة واحد منه أثرى أثرياء الولايات المتحدة الأمريكية، وبفضل سمعة والده وليس فقط ماله نجح ترامب فى بناء إمبراطوريته الخاصة، وصناعة اسم كبير له فى عالم الأعمال ولكن ظل هذا الاسم محاطا بالكثير من الشبهات والاتهامات التى ظلت تلاحق «ترامب» ومنها بالتأكيد استغلال النفوذ والعلاقات فى تخطى القانون.

ومن أشهر هذه الانتقادات التى لاحقته تلك المتعلقة بتأسيس جامعة ترامب فى عام 2004، فلم تكن جامعة بالمعنى المعروف ولكنها كانت عبارة عن مجموعة من الدورات التدريبية عن عالم البناء والمقاولات تعقد فى قاعات أحد الفنادق، دفع الطلاب عدة آلاف من الدولارات من أجل حضور دورة تستمر لمدة 3 أيام، ودفع البعض ما يقرب من 35 ألف دولار من أجل حضور دورات أخرى مكثفة، واعتمدت هذه الجامعة المزعومة فى الترويج لنفسها بالإشارة إلى إشراف «ترامب» الشخصى على هذه الدورات وهو الأمر الذى لم يحدث، وقد رفع العديد من الطلاب قضايا ضد «ترامب» وطالبوا بتعويضات وصلت إلى 40 مليون دولارـ وكان رد فعل ترامب على هذه الدعاوى بأنها أمور لا تستحق انتباهه.

ولكن تبقى أكثر الصفقات شبهة هى تلك المتعلقة بتورطه فى أعمال مع شركات تدار من قبل «عصابات المافيا» سواء فى نيويورك أو أتلانتيك سيتى، وكان لمثل هذه الشركات دور بارز فى بناء برج «ترامب» وفندق «ترامب بلازا».

يدافع بعض المحللين عن ترامب بالإشارة إلى أنه من الصعب العمل فى مجال البناء والمقاولات فى نيويورك فى الثمانينيات دون التورط مع عصابات المافيا، وعلى الرغم من ذلك فإن حجم تورط «ترامب» مع المافيا كان مثيراً للدهشة، والمؤكد أنه لايوجد رئيس فى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية جمعته علاقات عميقة بعالم الجريمة المنظمة، كما هو الحال مع ترامب.

وعلى الرغم من الهجوم الشديد الذى شنه «ترامب» على المهاجرين غير الشرعيين وتعهده بطردهم جميعا بمجرد وصوله للبيت الأبيض، إلا أن الكثير من مشاريع ترامب اعتمدت على العمالة غير الشرعية، كما هو الحال فى الفندق الجديد الذى يشيده «ترامب» فى واشنطن العاصمة، كما أن مزرعته فى «بالم بيتش» تعتمد على العمال الرومانيين وليس الأمريكان.

كما واجه «ترامب» قضية استمرت طويلا بشأن اعتماده على عمال من بولندا غير مسجلين فى بناء برج ترامب فى مانهاتن فى مقابل حصول كل عامل على 5 دولارات فى الساعة أو أقل، وتم إصدار حكم ضد «ترامب» الذى قام بدوره بعمل استئناف إلى أن تمت تسوية القضية فى عام 1999، وكشف المحامى الذى كان يمثل العمال البولنديين أن أحدهم قد تعرض للتهديد من قبل «ترامب» حتى يتنازل عن هذه القضية.


5- رجل الاستعراض

قد نتفق أو نختلف حول قيمة «ترامب» كرجل أعمال أو حتى حول نزاهته، ولكننا بالتأكيد لن نختلف حول حقيقة أنه رجل إعلام من طراز فريد ونجم فى عالم التسويق والدعاية، حيث نجح بشكل منقطع النظير فى تحويل اسمه إلى علامة تجارية ذات بريق خاص.

وبحسب الكتاب فإن «ترامب» وهو طفل صغير كان يقوم برحلات سرية إلى مدينة «مانهاتن» التى وقع أسيرا لسحرها وجمالها، ونجح فى تحويل حلمه إلى واقع عندما تحول هو نفسه إلى رمز من رموز هذه المدينة، وكما أشارت النجمة جسيكا باركر فى المسلسل الشهير «الجنس والمدينة» فإن الحياة فى نيويورك لا تكتمل إلا بلقاء ترامب.

يرصد الكتاب بالتفاصيل تلك العلاقة المعقدة التى جمعت بين «ترامب» ووسائل الاعلام، ويشير إلى أن ترامب لا يبدأ يومه إلا بعد قراءة كل ما كتب عنه فى مختلف وسائل الاعلام، وفى كثير من الأحيان كان يلعب دور المتحدث الرسمى لشخصه حيث كان يقوم بنفسه بتسريب بعض الأخبار عن طلاقه من زوجته الأولى إيفانا أو غيرها من الأخبار، ويطبق ترامب مبدأ أن أى دعاية هى «جيدة» حتى لو كانت الأخبار المتادولة أخبارا سيئة.

وقد تعمد ترامب بشكل مستمر إلى تسريب أخبار حياته الشخصية إلى وسائل الاعلام، بما فى ذلك قصص غرامياته العاطفية التى انتهت مع زواجه من عارضة الأزياء السلوفانية ميلانيا.

يرصد الكتاب تفاصيل أول لقاء جمع ترامب بميلانيا حيث التقيا فى أحد الملاهى الليلية وكان ترامب بصحبة فتاة أخرى ولكن بمجرد رؤيته لميلانيا وقع فى غرامها وأرسل أحد مساعديه من أجل الحصول على رقم هاتفها، ولكنها رفضت لإدراكها أنه بصحبة فتاة أخرى، إلا أنه أصر حتى حصل على الرقم واتصل بها وبدأت علاقتهما فى نهاية التسعينيات قبل أن تتوج بزفاف عام 2005 وطفل حمل اسم بارون.

وبحسب الكتاب فإن ميلانيا هى أكثر زوجات «ترامب» ملاءمة له، فهى جميلة بالقدر الذى يلفت الأنظار إليهما، وهو الأمر الذى يعشقه ترامب، ولكنها فى نفس الوقت لا تحرص على سرقة الأضواء من زوجها وهو الأمر الذى لا يتحمله ترامب.

وقد اكتفت ميلانيا بممارسة دور ربة المنزل وتركت لزوجها حرية التحرك فى حياته العملية دون أى مضايقة من جانبها، ولكن مع تصاعد شهرته وتزايد اهتمام الإعلام بأخباره، حرص ترامب على متابعة كل ما يكتب عنه بنهم وشراهة.

فى الثمانينيات والتسعينيات اشتهر «ترامب» فى الإعلام بفضل شخصيته المثيرة واستثماراته الكبيرة، وبحسب الكتاب كان «ترامب» يتمتع بشعبية كبيرة لدى الطبقة العاملة الأمريكية وكذلك، على نحو مثير، وكان ترامب يتمتع بشعبية فائقة بين العمال المهاجرين فى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان رمزا للحلم الأمريكى.

وكان عام 2003 هو بداية مرحلة جديدة فى حياة ترامب العملية، حيث اقتحم عالم تليفزيون الواقع ببرنامجه الشهير «المتدرب» وأصبحت أغنية مقدمة البرنامج «المال..المال» بمثابة ماركة مسجلة باسم ترامب.

وقبل هذه الخطوة التليفزيونية شارك «ترامب» بالفعل فى 12 فيلما ظهر فى أغلبها بشخصيته الحقيقية، كما ظهر فى 14 مسلسلا تليفزيونيا أيضاً بشخصيته الحقيقية من أشهرها ظهوره مع زوجته الثانية مارلا كضيفى شرف فى إحدى حلقات مسلسل «ذا فرنس برنس اوف بل آير»، كما ظهر كشخصية كارتونية فى العديد من مسلسلات الكارتون من ضمنها مسلسل عائل سمبسون الذى توقع وصول ترامب إلى منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.

أشهر علامات ترامب التليفزيونية هى برنامجه «المتدرب» الذى رشح لجائزة «الإيمي» وبدأ عرضه فى عام 2003، فى الموسم الأول من البرنامج حصل ترامب على 50 ألف دولار مقابل كل حلقة، ومع النجاح الشديد للبرنامج حصل ترامب فى الموسم الثانى على مليون دولار عن الحلقة الواحدة.

تدور فكرة البرنامج حول مجموعة من المتدربين لدى «ترامب» يتنافسون على الفوز بمنصب فى إحدى شركاته، وفى سبيل ذلك يتنافسون فيما بينهم فى مشاريع صغيرة تحت إشراف ترامب، وفى نهاية كل حلقة يقيم «ترامب» أداء المشتركين وبناء على هذا التقييم يقوم بطرد أحدهم إلى أن يتم تصفيتهم إلى متدرب واحد، وفى نهاية كل حلقة يقول ترامب جملته الشهيرة «أنت مطرود» والتى تحولت إلى علامة مسجلة فى عالم برامج الواقع.

نجح «ترامب» من خلال هذا البرنامج فى الوصول إلى شريحة واسعة من الجمهور الأمريكى العاشق للتليفزيون والمتيم بالصيحة الجديدة من برامج الواقع، وقد صرح ترامب لأحد أصدقائه بأن الشهرة الواسعة التى حققها من خلال برنامج المتدرب جعلته مؤمنا بأنه قادر على الوصول إلى منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.

لم يكن ترامب مخطأ، فالشعب الأمريكى شعب ذو ثقافة تليفزيونية، ونجوم التليفزيون يشكلون جزءا كبيرا من حياة الكثيرين من الأمريكان خاصة هؤلاء الذين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة أو الأدنى والذين لم يستكملوا تعليمهم، بالنسبة لهؤلاء فإن ترامب بطل شعبى، قد يسخر منه النخبة ولكن يقدسه البسطاء إلى درجة اختياره رئيسا لأمريكا.

ولا تتوقف مغامرات ترامب عند هذا الحد، فالرجل عاشق للأضواء وقادر على جذبها إليه على نحو يثير الدهشة والإعجاب فى نفس الوقت، ومن ضمن مغامراته ملكيته لجزء من مسابقة ملكة جمال الكون وملكة جمال الولايات المتحدة الأمريكية وملكة جمال المراهقات، وذلك فى الفترة من 1995 إلى 2015، وخلال تلك الفترة ارتبط عالم جمال المرأة باسم «ترامب» الذى اشتهر بنزواته العاطفية.

وعن معنى الجمال من وجهة نظره، يكشف الكتاب كيف صرح ترامب لأحد أصدقائه بأنه لا يهتم بأن تتمتع المرأة بالجمال ولكنه يهتم بأن تكون مثيرة، وقد وفرت هذه المسابقات قدرا كبيرا من الدعاية لترامب فى ظل المشاكل التى تحيط عادة هذه النوعية من المسابقات، وعلى سبيل المثال فى 2006 تم اكتشاف أن ملكة جمال أمريكا تارا كونر تتناول المخدرات ولكن ترامب رفض أن يسحب اللقب منها مما تسبب فى تعرضه لموجة شديدة من الانتقادات من أهمها هجوم الممثلة الكوميدية روزى أودنيل عليه من خلال برنامجها الشهير «ذا فيو» الأمر الذى أطلق العنان لمسلسل من الانتقادات المتبادلة بين الاثنين احتلت صدارة صحافة أمريكا، وقد انتصر ترامب فى النهاية بعد طرد أدونيل من تقديم البرنامج.

ويعد ترامب من رموز مصارعة المحترفين فى أمريكا، بالإضافة إلى كونه صديقا شخصيا لفينس ماكهون مالك مسابقة مصارعة المحترفين، وقد شارك ترامب فى العديد من العروض هذا إلى جانب استضافته لعدد من المسابقات فى فندق ترامب بلازا، ويعد ترامب أحد رموز هذه اللعبة التى تتمتع بشعبية كبيرة لدى البسطاء من الشعب الأمريكى.

الكتاب يقدم نظرة ثاقبة على حياة الرئيس الذى سيدير الولايات المتحدة الأمريكية على مدار أربع سنوات قادمة، ويؤكد حقيقة مهمة هى أن ترامب شخصية عاشقة للنجاح، يطارد الأضواء، ويحرص على تحقيق أهدافه، فى المقابل فهو يرفع شعار «الغاية تبرر الوسيلة» ولهذا فهو لا يتردد فى صناعة أى تحالف من أجل تحقيق أهدافه.

والجدير بالذكر أن «ترامب» هو رئيس أتى إلى البيت الأبيض دون رغبة من كافة المؤسسات التقليدية الأمريكية، فالإعلام بمختلف توجهاته تحالف ضده، ومراكز الأبحاث وصناعة الرأى اتحدت من أجل توجيه الناخب الأمريكى ضده، بل إن الحزب الجمهورى نفسه الذى يمثله ترامب لم يكن يرغب فى فوزه بانتخابات الرئاسة، خشية أن يؤثر فوزه على شعبية الحزب وعلى الأغلبية التى يتمتع بها فى الكونجرس الأمريكى، ولكن ترامب فعلها وفاز، وأصبح رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، رئيسا من خارج الصندوق، رئيسا يمكن وصفه بالمستقل، رئيسا لم يسبق له العمل السياسى، رئيسا يقف العالم كله متأهبا لمعرفة ماذا سيفعل، فمن المؤكد أن ترامب قادر على إثارة دهشة الجميع، وعلينا أن ننتظر أربع سنوات من الإثارة والتشويق مع ترامب عاشق الأضواء.