د.رشا سمير تكتب: ذريعة المؤامرة

مقالات الرأي




الحرب طرفان.. طرف منها هو المعتدى والطرف الآخر هو المُعتدى عليه.. والتاريخ يعُج بالأمثلة التى تُؤكد على أن الأطراف الراغبة أصلا فى شن حرب لتحقيق أغراضها عادة ما تختلق ذريعة تُساعدها على ربح المناورة السياسية الداخلية والخارجية بعد إعلان الحرب، مما يجعل فكرة شن الحرب فكرة مُبررة وعادلة على الأقل فى أسبابها أمام المجتمعات الدولية.. هذه باختصار هى نظرية Casus Belli أو ذريعة الحرب التى هى ببساطة القشة التى تُبرر عادة قصم ظهر البعير.

فما جرى فى نيويورك فى الحادى عشر من سبتمبر 2001 وما كشف عنه الوقت لاحقا، لم يكن سوى مسرحية دموية هزلية تمت صياغتها بعناية فائقة لتعطى للولايات المتحدة الذريعة الكاملة للاستفراد بالعالم تحت مُسمى محاربة الإرهاب، والبحث عن عدو جديد بعد زوال الخطر السوفيتي.. فبعد أحداث ضرب بُرجى نيويورك أصبح من البديهى تضييق الخناق على المسلمين.. وأصبح من حق السلطات فى أمريكا أن تتعامل مع المقيمين فيها من المسلمين بإبادتهم.. فالمسلم إرهابى حتى يثبت عكس ذلك!.. واليوم تتكرر المأساة.. فما حدث فى باريس من أحداث إرهابية مؤسفة أعاد إلى أذهان العالم الصورة التى حدثت سلفا فى أحداث 11 سبتمبر والتى كانت ذريعة لأمريكا كى تضع قدما فى العراق وتسحقه بدعوى القضاء على الإرهاب..

وعند سقوط بغداد أصبح هناك شبه يقين عند القوة الأمريكية أن سقوط سوريا آت لا محالة.. ولكن المفاجأة أن سوريا سرعان ما شنت منفردة هجوما مضادا سرعان ما لقى دعما من دول حليفة بدأت بطهران وانتهت فى موسكو وبكين..

وهنا كان لابد من ظهور مخطط تفتيت سوريا، الذى كان لابد أن يبدأ بإعادة نفوذ سوريا إلى داخل سوريا فقط..وإخراجها من قوتها الإقليمية لكى تتم السيطرة عليها وتنفيذ مخطط الاستيلاء على بلاد الرافدين بالكامل.. وأمام هذا الواقع وُضعت مخططات البعد الطائفى وتصدير الشيعة فى حرب ضد السنة..

وأصبح الحل واحدًا من أمرين..كلاهما مُر..أن يبقى الأسد ويظل فى إبادة الشعب الأعزل بديكتاتورية ظالمة وسط صمت مجحف من الدول العربية، أو أن تتدخل القوى العظمى لإسقاط بشار الأسد وبالتالى تقسيم سوريا دعما للخطة الأمريكية..

هكذا عادت «الإسلاموفوبيا» من جديد لتطفو على السطح..

والحقيقة أن ظاهرة الإسلاموفوبيا فى فرنسا ليست بحديثة العهد، بل إن التمييز والعنصرية ضد العرب كانا حاضرين بشكل قوى فى الماضى، وعلى ما يبدو أنهم على وشك العودة من جديد..ولايزال العرب المسلمون يعانون العنصرية والتمييز أكثر من فئات أخرى فى المجتمع الفرنسى..واليوم يهدد هولاند بسحب الجنسيات من العرب وعودة حالة الطوارئ وإجراءات قضائية قاسية.. بل وبدأ بالفعل سلسلة اعتقالات واسعة ضد المسلمين فى باريس..

لم يقصر العالم فى احتضان لاجئى سوريا ولكن هاهم اليوم بحجة الضربات الإرهابية التى حدثت فى فرنسا يلفظونهم للخارج بكل هدوء وكأن احتضانهم كان تمثيلية سخيفة..

ويؤكد هولاند من جديد وبكل غضب أن الاعتداءات الإرهابية التى استهدفت باريس خُطط لها فى سوريا وأطلقت من بلجيكا بمساعدة فرنسية..

إذن فالبداية هى سوريا..والنهاية أيضا سوف تكون سوريا!..

ومنذ أيام صرح نائب مستشار الأمن القومى الأمريكى بأن الولايات المتحدة ستتعاون مع فرنسا لتكثيف الغارات ضد تنظيم «داعش» فى سوريا والعراق.. كما أعلن ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا أن بلاده قد تضرب تنظيم «داعش» فى سوريا قبل أن تبلغ البرلمان إذا اقتضى الأمر!..

إذن الآن فقط اتضح للعالم أن داعش هى الإرهاب، وأن مصر التى أصبحت هى العقبة الكبرى فى مخطط التقسيم لم تكن تتوهم الإرهاب على أرضها..

تبقى الحقيقة المُرة وهى أن القضاء على داعش من قبل الدول العُظمى لا يعوقه سوى الإرادة التى لم ولن تكون موجودة!..

إذن إنها سوريا.. وبدأ الضرب بالفعل.. وذريعة إسقاطها تمت بنجاح..

تتآمر الدول العظمى.. وتُحاك المؤامرات.. وتتصارع الدول..ولا يسقط تحت أقدام المعارك السياسية سوى الشعوب البائسة.

اليوم يدفع البشر والإنسانية ثمن أطماع الدول الكُبرى واستبدادها.. نعم.. لم يعد العالم مكانا آمنا بعد اليوم.