د. رشا سمير تكتب : حارة اليهود.. وتحدى «العدل»

مقالات الرأي



لا شك أن حرفية الكاتب ورشاقة السيناريو هما العاملان الأكثر تأثيرا فى نجاح أى مسلسل.. هذا لا يقلل بالطبع من أداء الممثلين ولا الإخراج.. ولكن فى نظرى أن الورق هو الأزمة الحقيقية فى دراما اليوم، المأزق الذى يحد من قدرات الفنانين فيظهرهم وكأنهم يقدمون أدواراً مبتورة حتى لو امتلكوا الموهبة..

وتبقى ملحوظة كل رمضان وهى نظرية «التفصيل»..لقد تحول بعض كُتاب السيناريو إلى ترزية!.. فالسيناريست قبل أن يكتب يضع فى حسبانه أنه يكتب لفلان أو لعلان.. وهكذا يظهر المسلسل كعمل لنجم واحد وكل زملائه مجرد سنيدة!

بعض المسلسلات سقطت فى هذا الفخ كالعادة مثل «ذهاب وعودة» و«مريم» و«الكابوس» و«يا أنا يا أنتى» التى تم تفصيلها لتلائم الأبطال بغض النظر عن المحتوى.. وتبقى الدراما الناجحة هى الدراما التى كُتبت لموضوع مختلف يضم حشداً من الأبطال استطاعوا معا الانتصار لفكرة السيناريست وتوصيل نبض قلمه بمعزوفة موسيقية لا نشاز فيها..

وأنا هنا أتحدث عن «حارة اليهود».. على الرغم من كل الهجوم الذى صُب فوق رأس السيناريست د.مدحت العدل إلا أنه استطاع بقلمه الرشيق أن يصنع صورة لمصر فى مرحلة يجهلها جيل كامل من الشباب، صورة لمصر التى تلاحم فيها اليهود والمسيحيون والمسلمون فقط من أجل حُب مصر.. أطياف مختلفة تعانقت على أرض وطن ضمهم بالحُب بغض النظر عن اختلاف عقائدهم..كما رسخ المسلسل لفكرة مصر المتسامحة.. مصر الجميع..مصر الحُضن.. لا أبالى كثيرا بالمغالطات التاريخية التى نبش عنها البعض، مثل بعض الأحداث التى سبقت البعض الآخر وأنواع البارفانات وبعض الطقوس اليهودية التى ربما لم يتم مراجعتها بدقة، لأن فى النهاية العمل نجح..وهذا هو المهم..

ربما كانت هناك بعض الأحداث غير الواقعية من وجهة نظرى مثل تعذيب منة شلبى فى معسكرات اليهود على الرغم من فرار زميلتها هند رضا بمنتهى السهولة، وهروب إياد نصار غير الواقعى من قبضة اليهود..ولكن هذا لم يؤثر إطلاقا فى شغفى بمتابعة الحلقات.. كشف المسلسل وبحرفية فى توقيت مهم جدا عن نشأة جماعة الإخوان وتحالفها مع الجميع لتحقيق مأربها، حتى لو كان التحالف مع الإنجليز أو الخونة أو حتى الشيطان. وجه المسلسل رسالة لجيل من الشباب ارتبكت أفكاره واختلطت مفاهيمه، فقط لأنه لم يعرف أو لأنه لم يجد من يقص عليه.. اختلف وبشدة مع كل من وصف المسلسل بأنه دعوة للتطبيع مع إسرائيل!.لأن المسلسل قدم بكل حيادية صورة لليهودى الذى سكنت عروق ه مصر مثل منة شلبى التى انتصر انتماؤها على ديانتها.. وال يهودى الذى لم يستطع التخلص أبدا من بغضه لمصر مثل أخيها هارون.

لم أجد غضاضة فى أن يتزوج ضابط مصرى من فتاة يهودية، ولم أر فيه أى إساءة للضباط المصريين.. فقد جمعهما حب الوطن وهو الحب الأسمى دائما.. أما الأداء.. فحدث ولا حرج..الحقيقة أن الممثلين فى هذا المسلسل تفوقوا على أنفسهم.. فعندما تبدأ منة شلبى فى عزف مقطوعة فنية بعيون تلمع بالموهبة، ترد عليها ريهام عبد الغفور بأدائها السلس المتميز، ويشاركها إياد نصار الذى أصبح النجاح هو اختياره الوحيد.. عادت هالة صدقى بقوة الصاروخ وثقله، وظهرت إنجى شرف فى دور مختلف..ولمع نجم سيد رجب فى سماء الفن.. نجح الجميع ولم يخفق أحد.. نجح المسلسل فنجح أبطاله.. وكأن المركب حين اتسعت للجميع كان وصولها إلى شط النجاح حتمياً.. تحية لأبطال المسلسل على عمل محترم متميز..وتحية للسيناريست د.مدحت العدل الذى وطأ بقلمه حقل ألغام وتعامل معه بحرفية المحارب..وتحية للعدل جروب الذين قبلوا التحدى وقدموا للجمهور الرمضانى عملاً مختلفاً بعيداً عن الإسفاف.. وكل عام والدراما المصرية قادرة دائما على التميز.