بالفيديو.. "ورش المدابغ على كف عفريت".. والأهالي:"المسئولين بيتكلموا في الهواء"

تقارير وحوارات

بوابة الفجر


 

روائح كريهة تنبعث في كل مكان، خاصة ورش الدباغة، ومياه صرف تملء الشوارع، وعشش على كل جانب تغرقها مياه الصرف ولا يتخيل أحد أنها مكان يعيش فيه أشخاص، منطقة "المدابغ" بسور مجرى العيون هو مكان يخلو تماماً من متطلبات الحياة الكريمة حتى وإن كان الأبسط منها مثل المياه والصرف الصحي، وهي مثال لمناطق كثيرة موجودة لا يوجد اهتمام من المسئولين بها أو بمن يعيشون بها، والإحساس بما يعانوه.

وتنفيذاً لقرار رئيس حي مصر القديمة، قامت قوات الأمن بالأمس، الإثنين، بإزالة عدد من الورش المخالفة، في حين كان المهندس إبراهيم محلب، رئيس مجلس الوزراء قد أصدر قراراً سابقاً بإزالة المنطقة تماماً ونقل الورش إلى الروبيكي بمدينة بدر، الأمر الذي جعل الورش والأهالي على كف عفريت كما يقال، لأن القرار قد صدر أكثر من مرة ولكن لم يتم تنفيذه، بينما يعد ما حدث بالأمس بادرة لعملية النقل.

وفي رصد لآراء أصحاب الورش وأهالي منطقة عزبة المدابغ، في قرار نقلهم إلى "الروبيكي".

 السر وراء "نكش" الوزراء وعدم تنفيذ النقل

"رئيس الوزراء بيغلط كتير .. وهايمشي قريب"، هكذا بدأ حسام المساوي، صاحب احدى المدابغ حديثه معنا عن أزمة النقل، مُهدداً المسئولين وقائلاً: "محدش ها يقدر ينقلنا من هنا وإذا أصروا ها نخربها مظاهرات".

وأوضح أن أصحاب المدابغ يرفضون هذا القرار بسبب عدم وجود أي مميزات بالمكان الجديد الذي سيتم النقل إليه في مدينة بدر والروبيكي، لافتاً إلى أن المنطقة الجديدة عبارة عن صحراء ولا يوجد بها أي مرافق، بالإضافة إلى صعوبة انتقال العمال من المكان وإليه لابتعاده عن أماكن سكنهم، متابعاً :"العمال هايروحوا امتى وييجوا امتى، تلاتة مليون عامل هايروحوا فين ها يتشردوا في الشوارع لما شباب وناس كتير بتاكل عيش هنا"، مضيفاً أن يومية العامل حالياً تبلغ 80 جنيهاً وبعد الانتقال سيطالبوا بزيادتها بسبب مصاريف الانتقال، متسائلاً: "التكلفة دي على مين". 

ولفت المساوي، إلى أن المسئولين لم يرسلوا حتى الآن إلى أصحاب المدابغ أو سان المنطقة أي خطابات رسمية بقرار النقل، مشيراً إلى أن نقل المدابغ مجرد قرار يسمعون عنها منذ عشرات السنين ولم ييتم بالفعل، قائلاً: "كل رئيس وزراء ينكش على المدابغ وما تتنقلش ..وكل مسئول ييجي بيكون ليه هدف معين".

 وأشار إلى أن لديه خطاب للنقل منذ عام 1963حينما كان يملك المدبغة والده، حيث طالبته الدولة بالانتقال إلى منطقة نائية في البساتين وقتها، وكان حينها عدد المدابغ بالمنطقة أربعين مدبغة، موضحاً أن محاولات النقل قديمة ولا تتم.

ووجه رسالة إلى المسئولين انتقد فيها قرار النقل، معبراً عن استغرابه الشديد لمطالبتهم بنقل المدابغ بسبب التلوث في حين عدم اصدار القرار ذاته لنقل منطقة شق الثعبان، متوقعاً وجود اعتبارات خاصة لدى بعض المسئولين في هذا الشأن، ومتهماً مسئولي غرفة الدباغة بالغرف التجارية بالمُتاجرة بهذه القضية واستغلالها، مطالباً الحكومة بترك الأمور كما هي حتى تستقر أوضاع الدولة.

حياة غير آدمية .. وسكان منسيون

وعلى النقيض تمنى الحاج علي، عامل بالمدابغ، نقل المدابغ إلى مكان جديد، قائلاً: "احنا قرفنا منها .. وعارفين انها ها تتزال من سنين"، مطالباً بتوفير مساكن يكون بها كل الإمكانات والمرافق لتكون مناسبة للعيشة فيها.

وقال إن عدد كبير من العمال سيعانوا من وقف الحال اذا تمت الإزالة، موجهاً السؤال للحكومة: "هاتوديني فين؟"، لافتاً إلى أن مصاريف نتقال العمال ستزداد بعد النقل من 70 جنيه إلى 100، وأن هذا الفرق من سيتكلف به.

وطالب الحكومة بأن تكون الأولوية لنقل سكان العشش في منطقة المدابغ قبل الورش نفسها، موضحاً أن المنطقة يوجد بها "عشش" تسكن فيها عائلات كاملة، وأن هناك غرف مساحتها ثلاثة متر أيضاً للسكن، وأن الأهالي يلقون فضلاتهم في "الجرادل" لعدم وجود صرف صحي، متابعاً: "عايزين نروح مكان نضيف .. ها نسيب المدابغ بس يدوروا على السكان الغلابة قبل أصحاب الورش والمُصدرين اللي عندهم أملاك برا المنطقة".

واستكمل: "الرئيس شغال واللي تحته لاء، واحنا عايزين مسئول كبير ييجي للناس المنسية اللي عايشين في الريحة وعندهم أمراض".

لعبة "الكبار"

 وتوعد حسن، عامل بالمدابغ، للحكومة في حال تنفيذ النقل النهائي للمنطقة، قائلاً : "مش عايزين مدابغ تتنقل ولو اتنقلت ها نمشي ونقعد ع الرصيف"، متسائلاً عن مصيرهم بعد النقل: "ها ناكل منين ونشرب منين؟".

وأوضح، أن "الكبار" كما وصفهم من أصحاب المدابغ هم المستفيدين الوحيدين من القرار، لافتاً إلى أن الذين سينقلوا إلى الروبكي هم 10 مدابغ من بين 500 مدبغة، متهمهم بأن يكونوا هم المتسببين في ذلك، متسائلاً عن مصير باقي العمال بعد النقل.

مسئولين "شبعانين" يستغلون الأزمة لصالحهم

ورأى الحاج ربيع، صاحب مدبغة، أن النقل ممكن في حال أن توفرت "حياة كاملة" من سكن وأسواق ومدارس ومرافق، حتى يستطيعوا العيش هناك، متهماً المسئولين بعدم النظر للفقراء وما يعانون منه من ظروف قاسية.

وتابع عن مسئولي غرفة الدباغة: "كله أعد على الكرسي في مكاتب مُكيفة .. مسئولين عندهم مسئوليات ما بيعملوش بيها وبياخدوا قرش الغلابة .. لو يبصوا لنا ها نرتاح وهندعيلهم وها ننتخبهم في دورات تانية .. لكنهم شبعانين ومش بيبصوا للي بينام من غير عشا .. بيستغلوا الأزمة لصالحهم".

وفي رسالة للمسئولين قال: "بصوا للناس اللي على الله الغلابة اللي مش لائيا قوت يوم بيوم .. والرئيس ربنا يعينك علينا ويصبرنا عليك لو إنت مش شايف شغلك كويس".

 قصة رجال غُرفة الدباغة واحتكار الصناعة

وقال حماده معاذ، صاحب مدبغة، إن الموافقين على الانتقال هم أعضاء غرفة الدباغة، موضحاً أنهم مُصدرين للخارج ومن مصلحتهم أن تختصر الصناعة عليهم فقط واحتكار الصناعة، خاصة وأنهم يعملون مع شركات عالمية ولديهم الإمكانيات التي تؤهلهم لأن ينتقلوا إلى أماكن أخرى، مؤكداً أنهم المسئولين الوحيدين عن قرار النقل لأنهم أعلنوا موافقتهم كممثلين لباقي أصحاب المدابغ.

 وفي رسالة للحكومة، قال معاذ: "ياريت يسيبهم من الغرفة خالص والناس بتاعت البدل اللي بتمثل بس نفسها وبتحصل على دعم بملايين من الدولة .. وينزلوا للناس ولو حكومة بتمثل الغلابة تنزلنا احنا .. حسبي الله ونعم الوكيل في كل اللي بيضر الصنعة".

 العيشة في عزبة المدابغ

عشش ومياه صرف وحواري ضيقة تخرج منها روائح كريهة، وكلاب منتشرة في أرجاء المكان، كان ذلك أبسط وصف للمكان الذي يعيش فيها الآلاف من سكان العزبة، وهو الجانب الآخر من منطقة المدابغ التي من المقرر هدمها، فسكان هذا المنطقة ارتضوا بواقع سيء والعيش في هذا المكان الغير آدمي لعدم وجود البديل حتى وإن كان أمتار صغيرة ولكنها تبعد عن هذا المكان ذو الرائحة الكريهة.

 عجوز تعبر عن استيائها بـ"زهئت من العيشة"

منزل صغير تجلس أمامه عجوز على كرسي متحرك وبجانبها ابنتها، وحولهما أعداد كبيرة من الذباب الموجود بسبب الرائحة الكريهة، وبالحديث مع العجوز، أوضحت أنها تسكن في العزبة منذ ثلاثون عاماً، وقامت بفتح قهوة صغيرة هي وابنتها حتى تكون مصدراً لدخلهم.

وحول المكان قالت: "المكان كان حلو وكان فيه خير.. لكن زهئت من العيشة هنا وبقول يارب يشيلوها".

أما ابنتها فعبرت عن غضبها الشديد من عدم قيام الحكومة بتوفير أي سكان حتى وإن كان مساحته صغيرة، لكنه بعيد عن الرائحة الكريهة والذباب كما هو الآن، متمنية أن يتم نقلهم في أقرب وقت.

نساء يناشدون بسرعة النقل بعد تفشي الأمراض

احنا متبهدلين والحكومة مش بتبص لينا، هكذا قالت احدى سكان العزبة، والتي أعربت عن استيائها الشديد من عدم تنفيذ قرار النقل على الرغم من اصداره أكثر من مرة، مناشدة المسئولين بتنفيذه في أسرع وقت لأنهم يعيشون في ظروف سيئة، بالإضافة إلى انتشار الأمراض، قائلة: "لازم ينقلوا احنا عايشين من غير مياه أو مجاري ..والناس متبهدلة ومحدش شايفها ..احنا متبهدلين".

وفي نفس السياق قالت أخرى: "لا ها يدوا أصحاب المدابغ حقهم ولا السكان.. المسئولين بيتكلموا في الهوا عند التنفيذ ها يرمونا في الصحرا"، مطالبة بتوفير أماكن يتوفر فيها سبل الحياة الكريمة حتى ينتقلوا فيها".