عادل حمودة يكتب: الصفقة الحرام

مقالات الرأي



■ كل هذه المواقف الممتدة من إسطنبول إلى لوكسمبورج.. ومن لندن إلى واشنطن.. ومن باريس إلى الدوحة.. مواقف طبيعية حسب قاعدة البراجماتية أو النفعية السياسية.. الدور والباقى علينا نحن.. الطرف المستهدف فى المؤامرات الخارجية


يدخل العالم الإسلامى فى جاهلية جديدة يكتشف اللذة فى قتل نفسه.

يهجم الرمل على الرمل.. والعنف على العنف.. والتطرف على الإرهاب.. ويواصل رحلته على خريطة الملح.. مسافرا من الجفاف إلى العطش.. ومن الموت إلى انتحار

بروح جاهلية مفرطة فى خشونتها وقسوتها واصلت التنظيمات الإرهابية عملياتها العسكرية فى سيناء.. وتفجيراتها المتتالية على باقى خريطة البلاد.. من الماء إلى الماء.

لقد نجت مصر من مصير التفتت الذى أصاب اليمن.. وسرطان التقسيم الذى حرق نصف سوريا ودمر النصف الثانى.. وانفراط حبات المسبحة الوطنية فى العراق.. وشق بطن ليبيا بعد نحر رقبتها.

لكن.. الذين عاشوا على مص الدم وتعودوا النوم على نغم الانفجار لم يستسلموا.. فنزع الملك منهم أفقدهم أعصابهم الرفيعة.. وأسقط الأقنعة عن وجوههم القبيحة.. وتوالت يوما بعد يوم خططهم المسيئة.

كانت الخطة الأولى: استعراض قوى الحشد والتظاهر لإنهاك الأمن مستلهمين تجربة الثورة فى يناير دون أن يدركوا أن الشعب تعلم الدرس وصحح مسارها فى يونيو.

وكانت الخطة الثانية: إنهاك الاقتصاد المتعب بمزيد من الضعف.. وقطع خراطيم الغذاء الموصولة بشرايينه.. ليزداد الفقير فقرا.. والمحتاج احتياجا.. والمريض ضعفا.. والعاطل بطالة.. فيثور الشعب على النظام الذى جاء به مختارا.

وسوف تزداد الضربات والهجمات والتفجيرات باقتراب المؤتمر الاقتصادى لتكون الرسالة المكتوبة بدماء المصريين التى يوجهها التنظيم الدولى للإخوان للعالم: أن مصر بلد مضطرب لا مكان فيه لسائح ولا فرصة فيه لمستثمر ولا نعيم فيه لزائر.. لا تدخلوا مصر فلن تكون آمنين.

وفى الوقت نفسه بدأت الخطة الثالثة: تدمير ثقة الشعب فى قياداته.. وهز ثقته فى جيشه.. وضرب ثقته فى رئيسه.. وتخريب ثقته فى ذاته.. حرب نفسية شرسة ومنظمة.. عشناها من قبل بعد هزيمة يونيو.. حين قدر لنا أن نكون جثة هامدة لا تقوى على المقاومة.. ولا تجرؤ على تحرير الأرض المحتلة.. الخطة نفسها تتكرر.. لكن.. بعدو مختلف.. ينتمى إلى ديننا.. ويرقد بيننا.. ويأكل أكلنا.. ويتزوج بناتنا.. لكنه.. يفعل كل ما فى وسعه من مستحيل لإسقاط بلادنا.

والخطة الأخيرة.. خطيرة.. شديدة الخطورة.. فالشعوب لا تنهزم إلا فى داخلها.. ولا تموت إلا إذا فقدت الإيمان بكيانها.. لحظتها.. يكون الانتحار جماعيا فى ساحة.. ويتسلل العدو تحت جلودنا مثل عقارب سامة.. تقضى علينا فى ساعة.

لقد سبقت الخطة السياسية والنفسية العمليات الإرهابية التى وقعت مؤخرا فى سيناء.. مهدت إليها.. ببيان مباغت من الاتحاد الأوروبى يدين النظام فى مصر.. أعقبه لقاء فى الخارجية الأمريكية مع وفد من قادة ينتمون لجماعة الإخوان.. وعودة قطر إلى ما كانت عليه بعد رحيل الملك عبدالله بن عبدالعزيز.

بدا واضحا أن هناك صفقة ما بعد هجمات باريس بين التنظيم الدولى للإخوان والدول الأوروبية.. سوف نجبر التنظيمات الإرهابية التى نتحكم فيها على الابتعاد عنكم مقابل العودة إلى حالة العداء للنظام فى مصر.. والتشكيك فى سلامة انتخاب رئيسه.. ومقاطعة الإشراف على الانتخابات البرلمانية.. ومقاطعة المؤتمر الاقتصادى.

لقد عادت أوروبا إلى نفاق الإرهاب من جديد.. ضمانا لهدوء افتقدته بعد ما جرى مؤخرا فى فرنسا وألمانيا.. هدوء يعيد إليها نحو 700 مليون سائح.. يساهمون فى 14 فى المائة من الدخل القومى.. ويدعمون وجود مليونى مؤسسة صغيرة ومتوسطة تخدمهم.

وامتدت حالة نفاق الإرهاب إلى الولايات المتحدة بلقاء قيادات الخارجية الأمريكية بوفد إخوانى ضم جمال حشمت وعبدالموجود الدرديرى ومها عزام ووليد شرابى الذى خرج رافعا علامة رابعة على حسابه الإلكترونى.

ولم تمر سوى أيام قليلة حتى أدان البيت الأبيض ممثلا فى رئيسه قتل داعش الرهينة اليابانية.. فى حالة من الحول السياسى ينفرد بها باراك أوباما.

لقد منح الغرب الديمقراطى الحر قيادات الإخوان شهادات تقدير وصلاحية.. لم يمنحها إليهم بصفتهم علماء أو شعراء أو رواد فضاء.. وإنما بصفتهم لصوص أوطان.. حصلوا عليها فى امتحانات العنف التى حققوا فيها درجات مبهرة على أرض العراق وسوريا واليمن والسودان.. لينقلهم من مؤمنين بسلطة العقل إلى مؤمنين بسلطة الهاون.. ومن أفراد يخافون الله إلى أفراد لا يخافون الله.. ولا بان كى مون.. ولا باراك أوباما.

وربما كانت الحيثيات التى استند إليها الغرب حيثيات مبررة من وجهة نظر حريته السياسية.. ولكن.. لا يمكن النظر إلى تلك الحرية بمعزل عن حرية الآخرين.. فقد يقدم تنظيم باسم الحرية على تفجير شعب بكامله.. وقد جربت الولايات المتحدة ذلك فى هجمات سبتمبر وجربتها فرنسا فى هجمات يناير.

وعادت قطر إلى ما كانت عليه.. لقد تعامل الملك عبدالله بشدة مع تميم بن حمد.. مهددا بطرد بلاده من مجلس التعاون الخليجى.. ودعم المعارضة ضده.. ومنع طيرانه من التحليق فوق الأجواء الإقليمية.. لكن.. ذلك كله شطب فور رحيل العاهل السعودى.

وبموقف الرئيس التركى رجب أردوغان تتأكد إشارة الرئيس فى بيانه الأخير إلى وجود حكام أعضاء فى التنظيم الدولى للإخوان.. التنظيم الذى هدد خيرت الشاطر قبل ثورة يونيو بأسبوع بأنه سيشعل حربا كونية ضد مصر لو استجاب السيسى لمطلب شعبها بإزاحة حكم الجماعة.

لكن.. كل هذه المواقف الممتدة من إسطنبول إلى لوكسمبورج.. ومن لندن إلى واشنطن.. ومن باريس إلى الدوحة.. مواقف طبيعية حسب قاعدة البراجماتية أو النفعية السياسية.. الدور والباقى علينا نحن.. الطرف المستهدف فى المؤامرات الخارجية.

كان الرئيس فى إثيوبيا يحضر مؤتمر القمة الإفريقية عندما تلقى نبأ ما جرى فى سيناء يوم الخميس الماضى.. وطوال الليل جرت مناقشات بين أعضاء الوفد المرافق له.. هل يقطع الرئيس زيارته ويعود إلى القاهرة لفداحة الحادث؟ أم يبقى مكملا مهمته تاركا حكومته تتابع ما يجرى.. خاصة أن الحوادث الإرهابية لن تتوقف ولا يجوز أن تغير برنامج الرئيس؟.. لكن.. الرئيس حسم الأمر.. وقرر العودة فور أن أنهى الجلسات الرسمية الضرورية التى استدعت وجوده.

وبعد 48 ساعة من الحادث قرر المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى وجود الرئيس توحيد قيادتى الجيشين الثانى والثالث فى جبهة واحدة يديرها اللواء أسامة عسكر بعد ترقيته إلى فريق وعين اللواء محمد محمد عبد اللاه قائدا للجيش الثالث مكانه.

إنها نفس الجبهة التى شكلت من قبل فى حروبنا ضد إسرائيل.. لكن.. العدو هذه المرة مختلف.. ويحق لقيادة الجبهة التصرف بسرعة على الأرض دون الرجوع إلى القاهرة إلا فى الحالات التى تستدعى تغييرا استراتيجيا.. ووضعت تحت تصرفه 10 مليارات جنيه لتأمين وتنمية سيناء.

لكن.. فى الوقت الذى استجاب فيه الجيش للتغييرات التى تحدث على الأرض ظلت المؤسسة البيروقراطية والسياسية والحزبية والحقوقية جالسة فى مقاعد المتفرجين.. تتابع بكسل واسترخاء ما يجرى فى ساحة الحرب ضد الإرهاب.

لم تتحرك جهات التشريع فى إصدار قانون لمواجهة الإرهاب وظل المتهمون فى قضايا الإرهاب يحاكمون بقانون العقوبات أمام دوائر الجنايات فى قفص واحد مع النشالين والمختلسين والمتحرشين ما أجبر العدالة على النيل من مفجرى القنابل ومثيرى العنف.

لقد عدلت غالبية دول العالم من قوانين مواجهة الإرهاب بما يسمح لها بإجراءات عاجلة تحد من الظاهرة إن لم تقض عليها.

وبغياب القانون عجزت الحكومة عن تنقية مؤسساتها من المنتمين للإخوان فلو طردتهم من أبواب المصالح عادوا إليها من النوافذ بإحكام القوانين القائمة.

ويلفت النظر غياب دور الأحزاب والجمعيات الأهلية.. لا أحد يتحرك.. والكل يبحث عن منفعة شخصية.. مقعد فى البرلمان.. تمويل من الخارج.. دخول فى قائمة انتخابية.. وفى حالة الصمت التى غلبت عليهم وجدوا الأزهر بجانبهم يشاركهم ما هم فيه.

إن الساكت عن الحق شيطان أخرس ولو كان فصيحا.