| الباهية أو البهية وهران هي المدينة الجزائرية التي احتضنت فاعليات المهرجان الدولي للفيلم العربي في دورته الثانية والتي بدأت منتصف هذا الأسبوع، وكانت الرحلة من القاهرة إلي وهران قد امتدت إلي ثماني ساعات وكالعادة كان الوفد المصري للمهرجان هو أكبر وفد بين الوفود العربية فقد صاحب الوفد عدد كبير من الإعلاميين إضافة إلي الفنانين، وكان منهم محمود عبدالعزيز وإلهام شاهين وخالد زكي وداليا مصطفي أبطال فيلم «طباخ الرئس» وباسم السمرة الوحيد الذي حضر عن فيلم «الجزيرة» وكذلك حضر شريف سلامة ومنال سلامة والمخرج مجدي أحمد علي وسعيد حامد وعلي أبوشادي والكاتبة كوثر هيكل وفي الختام حضر محمود ياسين.
وما بين العدد الكبير والمشاركة والتكريم في البداية لمحمود عبدالعزيز، وفي الختام لمحمود ياسين بدت السينما المصرية وكأنها درة تاج السينما العربية التي تحتفي بها وهران.
وبقدر ما تبدو المهرجانات السينمائية في الأصل حكاية أفلام إلا أنها أيضا حكاية مدن وبشر والتقاء ثقافات تتجاور بالكاميرا.
حكاية مدينة
وهران هي مدينة جزائرية يحتضنها البحر المتوسط من جانب وتحتضنها من الجانب الآخر مجموعة من الجبال، ووهران هي مثني اسم وهر ومعناه ابن السبع وعرفت هذه المنطقة قديما بالسباع الكثيرة، لذا أطلقوا عليها اسم وهران أو السبعان، وهي من أقرب المدن الجزائرية للحدود المغربية، مدينة فيها كثير من روح الإسكندرية التي نطلق عليها عروس البحر المتوسط أما هم فيطلقون علي مدينتهم الباهية الشابة، وهذه الكلمة تعني عند الجزائريين الجميلة، وهي ثاني كبريات مدن الجزائر بعد العاصمة.. شوارعها تبدو كممرات ضيقة وإن كان الكورنيش المطل علي البحر هو أكبر شوارعها.
أقدم ما في وهران هو قيمة جبلها الذي يقع فيه حصن سانتا كروز وهو علي ارتفاع 365 مترا عن سطح البحر وفيه توجد كنيسة وتمثال سانتاماريا والتي تعود إلي القرن الـ 16 وإن كان التمثال الموجود تقليدا للأصلي الذي نقله الإسبان لبلادهم، ولهذه الكنيسة قصة تروي فقد ضرب الطاعون البلاد وأجهز علي من فيها ونذر البعض بناء كنيسة للقديسة ماريا لوانزاح البلاء من البلاد وبالفعل انحسر الطاعون وبنوا الكنيسة التي تقف علي قمة الجبل حتي الآن.
وقد كتب ألبير كامي روايته الشهيرة «الطاعون» عن هذه الحادثة. وكنيسة القديسة ماريا مجرد آثر فهي مكان لا يقام فيه الصلوات.. وإلي جوار الكنيسة علي قمة جبل سانتا كروز يقع مقام سيدي عبدالقادر أحد أولياء الله الصالحين والذي يتغني به مطربو الراي والصعود إلي الجبل له وسيلتان إما التلفريك أو السيارات وهي تجربة مرعبة بحق وافق عليها البعض ورفضها البعض، خاصة الفنان خالد زكي الذي يصاب بخوف من الأماكن المرتفعة.
>حكاية مهرجان
لم تكن الجزائر تحتضن أي مهرجانات سينمائية كجارتها المغرب التي يقام فيها شهريا أكثر من مهرجان سينمائي، لذا كان مهرجان وهران منذ عام مضي حدثا سينمائيا في بلد إنتاجه في هذا المجال محدود، ويتميز مهرجان وهران بأنه مخصص للفيلم العربي، وإن كانت فرنسا هذا العام ضيفة الشرف. عرض المهرجان في دورته الثانية 12 فيلما عربيا داخل مسابقة الأفلام الطويلة من سبع دول هي: مصر والمغرب وتونس والجزائر وسوريا ولبنان والإمارات، أما مسابقة الأفلام القصيرة فاحتوت علي 14 فيلما من 14 دولة عربية من بينها جزر القمر، وكرم المهرجان في افتتاحه مني واصف من سوريا ومحمود عبدالعزيز من مصر، وأحمد راشدي من الجزائر واسم الراحل مصطفي العقاد الذي استلمت تكريمه أخته د. ليلي العقاد وفي الختام تم تكريم الفنان المصري محمود ياسين والممثل الجزائري سيد علي كويرات الذي شارك من قبل في فيلم «عودة الابن الضال» مع ماجدة الرومي من إخراج يوسف شاهين.
وشاهين لم يكن غائبا عن هذه الدورة فقد قدموا له تحية ودعاء في الافتتاح فشاهين بالنسبة للجزائريين ليس فقط صانع الفن الجزائري وشارك أحمد راشدي في إنتاج العصفور وعودة الابن الضال، وبالتالي لم تكن السينما المصرية فقط بنجومها وأفلامها هي درة المهرجان ولكن كانت صورة شاهين حاضرة علي المسرح وفي قلوب الجزائريين حتي أن رئيس المهرجان حمراوي حبيب شوقي قال لي إن الرئيس الجزائري بوتفليقة اتصل بمكتب شاهين في القاهرة ليبلغهم أن الجزائر شعبا وقيادة في خدمة شاهين، وإن كانت مصر تحتضن شاهين فإن الجزائر تحتضنه في قلبها وتريد أن تقدم أي مساعدة مطلوبة.
مهرجان وهران يقام برعاية رئاسية من بوتفليقة وهذا بالتأكيد يعطيه قوة، ففي العالم العربي حين يرعي الرؤساء حدثا تفتح أمامه كل الأبواب ولكن الحق أن الأمر ليس كله في حالة هذا المهرجان رعاية الرئيس السياسي، فهناك رئيس المهرجان حمراوي حبيب شوقي الذي يترأس التليفزيون الجزائري، وكان وزيرا سابقا وهو شعلة من النشاط والانضباط جعلني رغما عني أقارن بينه وبين رئيس مهرجان القاهرة عزت أبوعوف وللأسف كانت المقارنة ظالمة للأخير.
وقد أقام المهرجان هذا العام ندوة جمعت رؤساء المهرجانات العربية وتمت دعوة أبوعوف ولكنه لم يعتذر ولم يرد علي الدعوة، فهو يشارك حاليا في أغلب المسلسلات خاصة أنه ممثل لا يرفض دورا لهذا فقد التمست له العذر!!!
حكاية شعب
>مازالت الجزائر رغم مرور نحو نصف قرن علي التحرر تحمل لمحة من حزن علي موت مليون ونصف المليون شهيد، مازال كل ما في الجزائر يذكرك بشهدائها سواء في حربهم ضد فرنسا أو في حربهم ضد الإرهاب الذي ضربهم في التسعينيات قبل أن يكتوي العالم كله به، فالجزائر من خلال مخرجها أحمد راشدي تنتج فيلما ضخما عن الشهيد مصطفي بن بولعيد، أحد شهداء الثورة الذي يطلقون اسمه علي واحد من أكبر شوارع عاصمتها، وقد عُرض في الافتتاح أجزاء من ماكينج الفيلم في مسرح أوبرا وهران الذي يحمل اسم الكاتب المسرحي عبدالقادر علولة الذي اغتاله الإرهاب عام 1994 مع مجموعة أخري من المثقفين والفنانين الذين كانوا أقطاب الإرهاب يرسلون لهم أكفانهم إشارة إلي قرار الاغتيال، وما بين الكلمات الملقاة في الافتتاح وأجزاء الفيلم الذي عُرض واسم المسرح الذي تقام فيه مراسم الاحتفال تشعر بأنك في بلد لم يندمل جرحه بعد ولم ينس من ماتوا دفاعا عن حريته أو حرية الكلمة.
وقد لا تكون مجرد أيام كافية لتعرف طبيعة شعب ولكن بالتأكيد هناك ظواهر تستطيع أن تلمحها في تصرفات الشعوب تكفيك لأن تكون صورة أو جزءا من صورة عن الشعوب، فقد كنت قبل زيارتي للجزائر أسمع كثيرا عن غلظة أبناء هذا البلد كما يقال مثلا عن المصريين أنهم خفيفو الظل، رغم أننا فقدنا كثيرا من هذه الصفة، ولكني لم أجد غلظة في أبناء الجزائر، فعلي العكس وجدت شعبا محبا لكل غريب الكلمة الأثيرة لديه «ما في مشكلة»، وأكثر ما يؤكد وجهة نظري لقاء الجمهور بنجومه الأثيرين فهم لا يتحرشون بالنجوم، قد يطلبون التصوير معهم ومصافحتهم لكن دون تدافع أو أذي أو إثارة، فقد ذهب محمود عبدالعزيز مثلا لمصافحة الجمهور المصطف علي الجانبين في الافتتاح ولم يحدث شيء يعكر صفو لقاء النجم مع محبيه.
حكاية الأفلام
=-2اثنا عشر فيلما تمثل سبع دول عربية هي: حصيلة الأفلام الطويلة المتنافسة وكأنها تخط حكايات تلك الشعوب بكاميرا تحكي عن همومهم فالبحرين قد عرضت فيلم «4 بنات» الذي يحكي عن جملة الصعوبات التي تعانيها الفتاة الخليجية في تقبل مجتمع لامرأة عاملة فيفتتحن محطة لغسل السيارات ويلاقين معارضة ضخمة من المجتمع والأهل، وهو من إخراج الشاب حسين الحليبي، أما الجزائر المضيفة للمهرجان فمن خلال فيلمها «إيروان» و«كندي» تحكي عن علاقة العربي بالآخر، وعن الإرهاب المرتبط بالفساد وأفلام جارتها المغرب هي الأخري من خلال فيلمين «قلوب محترقة» و «في انتظار بازوليني» تحكي عن علاقة الاغتراب بين الإنسان والمكان، وهو نفس ما يقوله الفيلم المصري «جنينة الأسماك» وإن اختلفت اللهجات، وما بين سوريا من خلال فيلمين «خارج التغطية» و«الهوية» نجد أن الحديث عن الاغتراب والهم حديث مشترك وإن اختلف قليلا عن لبنان الذي يعرض فيلمين «خلص» و«تحت القصف» فتضيف للهموم السورية هموم حرب أهلية لم تبرح بعد الذاكرة.
الدول العربية حكايات أفلامها قد تتفاوت في المستوي الفني، وقد تختلف لهجاتها، ولكن دائما ما تتفق في همومها فكلنا في الهم سواء.. والسينما العربية خير دليل.
< حكايات من الكواليس
< أقيمت ندوة لتكريم محمود عبدالعزيز وحضرها عدد كبير من الإعلاميين والفنانين المصريين وقد أثير سؤال عن موقف مصر ونقيبها من الممثلين العرب فرد محمود عبدالعزيز دفاعا عن موقف أشرف زكي في تنظيم النقابة المصرية وإن كانت مصر قبلة الفنانين ومازالت.
< داليا مصطفي بطلة فيلم «طباخ الريس» حضرت مع زوجها شريف سلامة وتسافر مباشرة من الجزائر لفرنسا للاتفاق علي الاشتراك في مسلسل مغربي.
< خالد زكي بطل فيلم «طباخ الريس» يلقي حبا كبيرا من الجمهور الجزائري، خاصة الفتيات والنساء.
< أقيم علي هامش المهرجان حفل فني غنائي أحيته «الزهوانية» أشهر مطربات الراي في الجزائر، ويطلقون عليها «الحاجة»، وكذلك قدم عبده درياس ابن رابح درياس أشهر مطربي الجزائر فقرة غنائية استحوذت علي إعجاب الضيوف من الطرائف أن المطرب الثالث الذي أحيي الحفل هو محمد أمين صاحب صوت رائع، وكان في الأصل مؤذنا في مسجد لعشر سنوات ثم انتقل إلي عالم الطرب. وما بين نغمات الراي والمالوف وهمسات الأفلام أو صراخها تمتد ليالي مهرجان البهية وهران.
|