| هل ترجع قيمة عمل فني ما إلي عرضه للمألوف في الحياة ورصده الواقع بكثير من مرادفاته المقلقة أم أن القيمة المضافة قد تكون لعرضه لظواهر غير مألوفة لندرتها أو لخصوصيتها؟ سؤال قد يختلف حول إجابته كثير من الناس والمبدعين وهو ما حدث مع مسلسل «صرخة أنثي» الذي انتهت قناة أبوظبي الفضائية من عرضه وحظي بنسبة مشاهدة عالية رغم عدم عرضه علي قناة أرضية حتي الآن، ولعل نسبة المشاهدة تستطيع أن ترصدها من الحوار الذي جري في شأن هذا المسلسل علي الإنترنت، فالمسلسل كتبه محمد الغيطي وأخرجه رائد لبيب وقام ببطولته داليا البحيري والوجه الجديد علي مصر إياد نصار وطارق لطفي، وعدد كبير من نجوم الدراما التليفزيونية، صرخة أنثي استلهم بداياته من قصة شاب متفوق اكتشف بعد وصوله لمرحلة الجامعة أنه يعاني من اضطراب هرمونات دفعه إلي التحول لانثي وهي قصة دفعت سالي «أو سيد سابقا» التي تعمل حالياً مرشدة سياحية وهي صاحبة أشهر قصة تغيير جنسي في مصر في ثمانينيات القرن الماضي إلي إقامة دعوي ضد وزير الإعلام ومنتجة المسلسل ناهد فريد شوقي والمؤلف والمخرج لوقف تصوير وعرض المسلسل ورغم هذه الدعوي السارية حتي الآن والتي لم تفصل في محكمة القاهرة للأمور المستعجلة إلا أن المسلسل قد عرض بالفعل.
وبعيدا عن القضية التي لم يفصل فيها القضاء حتي الآن إلا أنني استطيع أن أقول إن «صرخة أنثي» هو مولد جديد لداليا البحيري وإياد نصار كممثلين فالمسلسل كان صرخة نجوم أكثر من صرخات إناث برغم عنوانه، ولكنه عاني من كثير من عيوب الدراما التليفزيونية المصرية التي تريد أن تحكي عن كل شيء في مسلسل واحد وكأنه سيكون الأول والأخير لكاتبه محمد الغيطي الذي استطاع حتي منتصف المسلسل أن يحافظ علي هدفه الأول، حكاية نادرة ولكنها حدثت وتحدث في الحياة ولكن الغيطي نسي قصته الأساسية وتحول مع بقية الحلقات إلي حدوتة قد تصلح أن تحدث في حياة أي امرأة عادية لم تتعرض لحكاية التحول من ذكر إلي أنثي.
بالغ الغيطي في تعاطفه مع بطلته فلم يكتف بمنحها حق التحول -الذي مازال الأطباء ورجال الدين مختلفين عليه- ولكنه أضاف إليها تاج ملكة جمال الفتيات في مصر واعطاها المال والشهرة وحتي القدرة علي البقاء والإنجاب مقابل الأخت التوأم التي لم تعان من إشكالية الهوية ولكن حياتها انتهت نهاية مأساوية، «صرخة أنثي» في جزئه الثاني عاني مما تعاني منه كثير من المسلسلات المصرية وهو البحث عن الاستمرارية فدخل في قصص منظمات مافيا وصراع انتخابات وفساد وشغل بوليس أضاع موضوع مسلسله الرئيسي. انها مشكلة الثلاثين حلقة أو يزيد التي تدفع المؤلف راضيا أو مرغماً علي أن يستمر حتي لو كان الاستمرار ضد العمل نفسه. رائد لبيب مخرج هذا العمل عرفناه مخرجا لمسلسلات الكوميديا الاجتماعية من قبل ولكنه في هذا المسلسل ربما أراد أن يغير من أدائه المعتاد فلعب بالكاميرا كثيراً حتي بات لعب الكاميرا مزعجاً للعين وهو أسلوب يتبعه إسماعيل عبدالحافظ أحياناً ولكن بحرفية أكبر وبهدف درامي أكثر اقناعاً.
ورغم ما سبق من نقائص إلا أن نفس هذه النقائص هي التي منحت داليا البحيري الفرصة لأن تقول إنها ممثلة بارعة لم يتم اكتشافها كاملا حتي الآن فداليا دائما في طابور ممثلات يكملن الصورة بنجمة جميلة مقبولة لبطل في حاجة إلي وجود أنثي إلي جواره فأفلامها السينمائية حتي الآن لم تخرج بها عن إطار المزة «وعفوا في التعبير» ولكنها في «صرخة أنثي» قالت إنها تستطيع ما هو أكثر فربما يسمع أحد صراخها.
أما إياد نصار الوجه الجديد علي الشاشة المصرية والذي عرفناه بطلاً في الدراما السورية والأردنية ولعل أشهرها «الأمين والمأمون» فهو مكسب وافد بقوة استطاع أن يقول بأدائه الهادئ أن فن التمثيل في الوطن العربي لا يجب أن تقف أمامه الحدود السياسية الغبية، إياد نصار ممثل من طراز خاص وأياً كانت جنسيته فإن صرخة أنثي اعطاه الباسبور المصري بشرف.
ورغم أن طارق لطفي وجه تليفزيوني مألوف إلا أن هذا المسلسل كما أعطي داليا وإياد فقد أعطي طارق أيضاً فرصة أكبر لكي يثبت أنه ممثل بارع لو منحوه الدور.
وعودة إلي ما أثير من جدل علي الإنترنت بسبب هذا المسلسل وجدت أن أغلب التعليقات جاءت من السعودية سواء بالرفض أو التأييد لتغيير الجنس وهي ملاحظة قد تستحق الرصد من علماء الاجتماع، ويبقي أن كل من علق علي موضوع المسلسل تحدث من منطق الحلال والحرام رغم أن المسلسل قد جانبه الصواب حين لجأ إلي طبيب ليحدد بعض تفاصيل الحالة التي عرضت في المسلسل ورغم مأساوية التحول الجنسي إلا أن أغلب الدراما والسينما المصرية تناولت هذا الأمر بصورة كوميدية لا تعبر عن المأساة التي يمر بها أصحاب تلك الحالات والتي لا يعتبرها الطب ذات علاقة علي الإطلاق بالشذوذ الجنسي، وقد يحسب هذا للمسلسل الذي مازال يواجه صعوبات في العرض الأرضي علي التليفزيون المصري.
فإن كانت قصة السيد سالي الراقصة المدرسة الطبيبة في الواقع لم يحسمها حتي الآن القضاء أو رجال الدين إلا أن الدراما التليفزيونية حسمتها لصالح البطلة وأطلقت عليها «صرخة أنثي».
|