| مضت خمسون عاما منذ انطلاق التليفزيون المصري والذي قيل عنه في ذلك الوقت إنه ولد عملاقا وهي مقولة الدكتور عبدالقادر حاتم الذي ولد هذا العملاق علي يديه ونتمني له دوام الصحة ولكن بالرغم من أن هذه المقولة هي من الشعارات المبالغ فيها كحالنا دائما، حيث إننا علي مدي تاريخ البشرية لم نجد مولوداً يخرج عملاقا ومع التجاوز عن هذه المقولة فقد انطلق التليفزيون ونما وكبر ولكن السؤال: هل مازال عملاقا؟
إنني لا أريد أن أكون مثل عواجيز الفرح وقد يتهمني البعض بذلك حيث سنري «زفة وفرح وطبل وزمر» وتكريماً قد نتذكر البعض ونتناسي البعض وسوف نسمع كلمات التكريم كأنها تأبين وسوف نغالي وربما ننافق وإن كنت أتمني أن يغلب علي طابع الاحتفال أن تكون هناك دراسات وندوات وتقييم موضوعي لمسيرة هذا العملاق وأن تكون هناك نتائج واقتراحات لمواجهة السلبيات وتدعيم الإيجابيات ويكون كل ذلك قائماً علي دراسات عملية وليست مجرد انطباعات ووجهات نظر غير قائمة علي الدراسة.
هذا العملاق إلي ماذا انتهي بعد خمسين عاماً.. لا أكون متجاوزا إذا قلت إنه أصبح عملاقا مترهلا! ولتسمحوا لي أن أشير في إيجاز وفي نقاط مختصرة لأن كلاً من هذه النقاط يحتاج إلي عدة مقالات وإنني أقوم بإعداد كتاب عن الإدارة في ماسبيرو عبر خمسين عاما أرجو أن يمتد بي العمر لإنجازه ولماذا الإدارة؟ لأن الإدارة الناجحة التي تعتمد علي أسس عملية وخبرة هي أساس نجاح وتقدم أي مؤسسة بل إنها أساس نجاح وتقدم الأمم.
وسوف نعرج من نموذج ماسبيرو إلي الإدارة في مصر بصفة عامة وهذه النقاط التي أتناولها فيما يلي ترجع إلي سوء الإدارة وعدم وجود دراسات جدوي.
< بلغ تعداد العاملين داخل مبني التليفزيون ما يقرب من 40 ألفاً والأمر لا يحتاج إلي تعليق.. ويزيد علي 70% بطالة مقنعة ولها تأثير سلبي علي الإنجاز والتقدم وذلك أمر يتطلب حلولاً غير تقليدية وقد فعلها التليفزيون الفرنسي في الثمانينيات وذلك يحتاج إلي مقال آخر.
< محطة تليفزيون تتضخم وينبثق منها قطاع للإنتاج وقطاع للهندسة الإذاعية وقطاع للأخبار وقطاع للفضائيات وقطاع للقنوات المتخصصة والقطاع الاقتصادي وقطاع الأمن.. تصوروا قطاع للأمن وكم تعداده ذلك بالإضافة إلي قنوات محلية لم نوفر لها الإمكانات ولا وضعت لها استراتيجيات ليكون لها دور محدود وبذلك تحولت محطة تليفزيون يمكن إدارتها بأعداد محدودة إلي إدارة عموم الزير «وهي رواية الدكتور حسين مؤنس»!؟
أضف إلي ذلك اتحاد الإذاعة والتليفزيون والأمانة العامة لاتحاد الإذاعة والتليفزيون.. إلخ.
< عشوائية في الهياكل وفي الاختصاصات وعلي سبيل المثال استديوهات الإنتاج الدرامي بالتليفزيون تنقل إلي شركة صوت القاهرة ثم تعود مرة أخري للتليفزيون بناء علي أهواء ورغبات شخصية ودون أسباب أو دراسات واضحة مما يجعل المسيرة تتعرقل عدة مرات.
< إدارة القطاعات والقنوات تتطلب بالدرجة الأولي متخصصين في القنوات لديهم ثقافة إعلامية وفنية وليس المذيع هو أقدر الناس علي الإدارة حتي لو كان متفوقا في مهنته.
< قطاع الإنتاج الدرامي أنشئ ليكون قطاعا متخصصا في الإنتاج الدرامي وبه ما يزيد علي ثلاثة آلاف موظف وبه اكتفاء ذاتي في جميع العناصر الفنية والهندسية والخدمات الإنتاجية تحول من منتج إلي مقاول يشارك الآخرين في إنتاجهم وتقلص إنتاجه وتفرقت خبراته.
< مكتبات الشرائط والأفلام وتراث التليفزيون حدث ولا حرج بين الإهمال والتسريب!؟
< تفاوت رهيب في الأجور والمكافآت والحوافز لا يحكمها أي قواعد موضوعية.
< حتي مستوي النظافة ودورات المياه أصبحت في حالة يرثي لها.
< سطوة الإعلانات بما وراءها من مصالح ولا أريد أن أقول فساداً.. إن الإعلان له أهميته وضرورته كأداة من أدوات التعريف بالسلع والخدمات والتوجيه لكن عندما يتحول الإعلان إلي سلطة تخرب فإنها كارثة. إن مردود الإعلانات الذي يصل إلي مئات ملايين من الجنيهات بالمقارنة بالمليارات التي تصرف علي هذا الجهاز لا تمثل شيئا ولكنها تحدث تخريباً له مردود سلبي اجتماعي واقتصادي ونفسي وصحي إلي آخره لا يقدر بالمليارات، كما أن ذلك أفرز ظاهرة السوبر ستار الذي ساهم في إفساد الدراما.. إن التليفزيون المصري ليس مطالباً بأن يجري وراء المحطات الخاصة ويتشبه بها فإن له مهمة أسمي وأعظم وهي الارتفاع بالمستوي التعليمي والفكري والوجداني والترفيهي للإنسان المصري والعربي.. إن الإعلانات أصبحت هي التي تقود الثقافة والفن بصفة عامة والدراما والبرامج بصفة خاصة، بل أصبحت تفسدها لأنها لا تطلب الأجود أو المفيد ولكن تطلب ما يحقق العائد المادي بغض النظر عن أي مردود سلبي.. هذا فضلا عن التدني وانحدار الذوق في بعض الإعلانات وعلي سبيل المثال هل نتصور أن هناك إعلاناً يعلن عن مشروب معين برسم العلبة ويقول عليها «كده أرجل؟! ثم يقول استرجل!؟، أي مهانة وأي عيب، عموماً هناك الكثير والكثير ورغم كل ذلك لا ننكر أن هناك بعض البرامج والأعمال المميزة التي يقدمها التليفزيون ولكنها لا تمثل استراتيجية هذا الجهاز.
إن هذا الجهاز من خلال الترشيد والدراسة واستخدام الأسلوب العلمي يمكن أن يحدث تغييراً هائلاً في هذا المجتمع إلي الأفضل وإنني اعتقد أن الوزير الحالي له أفكار ورؤي تحتاج إلي رجال مخلصين يقفون إلي جواره لوضع هذه الأفكار موضع التنفيذ وإنني اعتقد أن إنشاء هيئة تضم مجلس من الحكماء والمثقفين والخبراء علي مختلف اتجاهاتهم ويكون مستقلا تماما وتكون له استراتيجية لا تتغير بتغير الأشخاص وتكون له سياسة وأهداف محددة سواء بالنسبة للهيكل الوظيفي أو التنظيم أو اختيار الكفاءات دون وساطة اعتقد أن ذلك يمكن أن ينطلق بهذا الجهاز انطلاقة كبري.
|