| طرح السؤال في دهشة كل من سمع مبارك يقول للتليفزيوني الأمريكي " تشارلس روز " في رحلته الأخيرة إلي واشنطن: " إنه لا يتكلم مع ابنه في مستقبل حكم مصر ".. لكن.. ما قاله الرئيس هو الحقيقة.. فقد سمعت من " تشارلس روز " نفسه: إن جمال مبارك قال له: "إنهم عائلة محافظة تعرف الأصول.. للأب فيها مكانة محفوظة لا تمس.. ومستحيل أن أتكلم معه في مثل هذه الأمور الحرجة ".
لكن.. دهشة المصريين لها ما يبررها.. فدور جمال مبارك في السياسة تنامي بقوة في العشر سنوات الأخيرة.. جعلت أجيالا جديدة في الحزب الوطني تسعي جاهدة لترشيحه رئيسا في الانتخابات القادمة.
علي أن موقف جمال مبارك نفسه يبدو محيرا.. مقربون منه يرون أنه لا يطمح إلي الرئاسة وأن دوره يقتصر علي مساعدة والده.. لكنهم في الوقت نفسه يوافقون علي أنه المرشح الوحيد للرئاسة لو قرر مبارك ترك الحكم.
علي أنه في الأحداث الحرجة التي تقع والأزمات الصعبة التي تتفجر لا نسمع له صوتا.. ولا نعرف رأيا.. وغالبا ما يؤثر الاختفاء.
لا أحد يعرف متي ينشط؟ ومتي يخفت؟.. متي يتصدر المسرح؟ ومتي يفضل البقاء في الكواليس؟.
فبعد شهور من الصمت والغياب عقد عشرات الاجتماعات ــ قدرها البعض بأربعين اجتماعا ــ للجنة السياسات التي يرأسها لوضع برنامج الحزب لانتخابات مجلس الشعب التي ستجري بعد ثلاثة شهور تقريبا.. وهي مدة قصيرة يصعب خلالها وضع برنامج يعيد ثقة الناخبين في حزبه.. خاصة في وقت تكاثرت فيه المشاكل التي عجزت الحكومة عن حلها.. وفي وقت نجحت تنظيمات وحركات معارضة في إقناع ملايين من المصريين ــ علي رأسهم شباب أجيال جديدة ــ بأن التغيير يجب أن يتجاوز كل حد.. ويخترق كل سقف.. ويطول كل شخص.
لكن.. هناك من يري أن البرنامج الذي سيوضع نوع من الوهم المعلن الذي سيجمل صورة قبيحة.. متوقعة.. أن يحصل الحزب الوطني علي أغلبيته البرلمانية بالتزوير.. وهو ليس تصور المعارضين للنظام فقط وإنما يقين المؤيدين له والمشاركين فيه أيضا.
لقد سمعت من مسئول كبير في الحكم أحميه بعدم ذكر اسمه وسط شهود يستحقون الحماية نفسها: " إن التزوير الذي جري في انتخابات مجلس الشوري كان فاضحا.. فجا.. ولا يجوز أن يكون التزوير في انتخابات مجلس الشعب مثله.. يجب أن تكون هناك حكمة وكياسة وموضوعية في التزوير".
إن الرجل المحترف البقاء في السلطة ليس ضد التزوير، فهو علي رؤوس العباد.. وقضاء وقدر البلاد.. لكنه.. ضد أن يكون سافرا.. متجاوزا أصول الحياء السياسي.
في اجتماعات لجنة السياسات وزع الحزب علي أعضائها استبيانا يتكون من عدة محاور طلب منهم ترتيبها حسب الأهمية العاجلة التي يراها كل منهم.
الديمقراطية: مواطن حر في بلد ديمقراطي.. التشغيل وتوفير أربعة ونصف مليون فرصة عمل للشباب.. تحسين جودة الحياة ورفع مستوي معيشة الفئات الأولي بالرعاية.. الطبقة الوسطي.. التعليم والبحث العلمي.. اللامركزية.. السياسة الخارجية.. مصر قوية وآمنة.. دور قيادي إقليميا.. ومكانة متميزة دوليا.
واضح أنها نفس المحاور التقليدية التي لم تحسم في ثلاثين سنة فكيف يمكن حسمها في ثلاثة شهور؟.
كما أنها قضايا متشابكة لا يجوز أن يكون كل منها بديلا عن الآخر.. فليس معني توفير فرصة عمل لمواطن سحب حريته منه.. الإنسان يعيش علي لقمة خبز ولقمة حرية.. والتخفيف من حدة البطالة ورفع قيمة البحث العلمي هما في الوقت نفسه مساندة للطبقة الوسطي.. وتحسين معيشة الفئات الأولي بالرعاية يقضي علي مظاهر التوتر الاجتماعي ويجعل مصر بلدا آمنا.
ومن جانبهم راح الأعضاء يفتون بما جادت بهم أفكارهم وخبراتهم وتصوراتهم.. هشام مصطفي خليل يتعجب كيف لم يصور التليفزيون طريق "معجزة" الصعيد الجديد الذي يربط سفاجا بسوهاج وقد زاره في رحلة مع محمود محيي الدين؟.. يوسف بطرس غالي يؤيده في ضعف الدعاية لإنجازات الحكومة ويضيف إلي تقصير الإعلام تقصير الثقافة.. مؤكدا وجود فراغ أدي للحراك السياسي.. واستغلال قضايا يراها عابرة مثل تعذيب خالد سعيد حتي الموت.. ووضع عصا في مؤخرة عماد الكبير في قسم شرطة.. وطالب بالخروج إلي الناس للكلام معهم في حركة موازية لا تدافع عن الحكومة وإنما تكشف الحقيقة.. لكنه.. في الوقت نفسه هب من مكانه رافضا فرض ضرائب تصاعدية ولو بنسبة بسيطة علي الدخول المرتفعة.. فأسعد رجال الأعمال الجالسين في القاعة.. وأنهي مخاوفهم.. دون أن يتصور أن أزمات الشارع المتتالية والمزمنة سببها الفقر وعجز الناس عن توفير حاجات أسرهم الأساسية.. وهي أكبر من الأوهام التي خدرت الحكومة بها نفسها عندما اعتبرت زيادة تراخيص السيارات وزيادة استهلاك المياه الغازية دليل الرفاهية التي حققتها.. فلو وضعت الزيادة السكانية بجانب عوامل أخري ــ مثل جنون التضخم وانهيار قيمة العملة الوطنية ــ في اعتبارها لخرست وفقدت النطق.
إن الثروات التي تصعد إلي أعلي لمجموعة محدودة من المليارديرات تخفض الطلب علي السلع والخدمات وتضعف من قدرات مؤسساتها علي الصمود والبقاء.. وهو ما جعل البعض يطالب بتخفيض معدل النمو من سبعة إلي خمسة في المائة لتوسيع رقعة المستفيدين منه.. وهو ما رفضه بطرس غالي.. مؤمنا بأن معدل النمو العالي ولو لم تصل آثاره إلا لفئة محدودة أفضل.. والحقيقة أن الحفاظ علي معدل النمو المرتفع مطلوب.. وتوسيع دائرة المستفيدين منه مطلوب أيضا.. المهم أن يشعر الغالبية العظمي من المواطنين بأن ما يحدث من نمو في صالحهم.. ويعرف بطرس غالي أكثر من غيره كيف تتحقق هذه المعادلة السهلة.. لكنه لا يريد أن يتعب نفسه.
وبينما اعتبر محمد فريد خميس أنه لا حل إلا بتقوية الصناعة الوطنية طالب محمد أبو العينين بعمل مسابقات للشباب يختارون فيها أهم عشرة مشروعات قومية ونضع ما يتوصل إليه في خطة استراتيجية.. ونعطي الفائز مليون جنيه.
أما الدكتور صبري الشبراوي فيري أن إعلان الحرب علي الفساد هو أسرع وسيلة لكسب ثقة الناس خلال الفترة المتبقية علي الانتخابات التشريعية.. وهو لا يقصد بالفساد تزاوج الثروة والسلطة والرشوة والتكسب الشخصي علي حساب المال العام فقط، وإنما يقصد به التفريط في موارد البلاد بثمن متدنٍ.. مثل بيع الأراضي لمستثمرين محليين وأجانب ليقيموا عليها مشروعات عقارية وسياحية يحققون من ورائها مليارات يدفعون بها خارج البلاد ويضخونها في استثمارات بعيدة عنا.. وما قاله سننشره بالتفصيل فيما بعد.
وعلي ما يبدو أن أعضاء لجنة السياسات ينظرون إلي ما يجري خارج قاعة اجتماعاتهم المكيفة بتعال واستخفاف.. فهم يرون أن ديمقراطية حزبهم هي التي تركت الناس يخرجون ما في أنفسهم من غضب.. ويعبرون عما يحلمون به من تطلعات.. دون أن يسألوا أنفسهم عن كيفية علاج المشاكل والأزمات التي انفجرت؟.. وما هو دورهم فيها؟.. فما يجري في الشارع ليس دليل إنجاز وإنما دليل فشل.
إن الحل الوحيد في رأيي هو نشر نصوص ما تقوله هذه المجموعة التي يعتبرها الحزب الوطني صفوة العقول والخبرات في مصر كي يعرف الناس حقيقة كل منهم.. وفي هذه الحالة سيجري التخلص من ثلاثة أرباعهم علي الأقل.. وهو إنجاز هائل في حد ذاته.
|