العدد رقم 268 بتاريخ الاثنين الموافق 30/8/2010
News Highlights Left Shadow 

تفاصيل المفاوضات المستحيلة بين مصر وشركات البترول العالمية

عبد الفتاح على

تفاصيل المفاوضات المستحيلة بين مصر وشركات البترول العالمية
كنت أعتقد أن نجاح مصر علي طاولات المفاوضات الدولية سوف يكون له آخر، وان هذه النجاحات لن تدوم، ليس لعيب فينا وإنما لأن الدول الغربية عادة يكون لها ذاكرة قوية ومحفوظة، وتذاكر جيدا نجاحات الاخرين وتتعلم من فشلها في هذه المفاوضات.

لن أذكر مفاوضات اتفاقية الجلاء، ولن اذكر مفاوضات وقف اطلاق النار في 73 ولن أذكر مفاوضات كامب ديفيد، ولا التحكيم في طابا، فكل هذه المفاوضات سياسية ما ظهر منها ليس كما بطن، لكني سأذكر تلك المفاوضات الاقتصادية التي نجحت مصر في الوصول بها الي بر الامان وتجميع اكبر مكاسب ممكنة بموافقة الطرف الاخر وهو في كامل قواه العقلية.

في مفاوضات وزارة البترول مع الشركة الاسترالية في جبل السكري، كانت نموذجا لقدرات المفاوض المصري الذي استطاع أن يقتنص هدفين في ضربة واحدة الاول أن يمنع البلاء، والثاني أن يجلب منفعة.

ورغم أن هناك قاعدة فقهية وانسانية واقتصادية شهيرة جدا تقول «درء المفسدة مقدم علي جلب المنفعة» الا أن رجال قطاع البترول دمجوا الهدفين وأصروا عليهما ونجحوا في وقف قضية التعويض التي بلغت حدودها النهائية والتي كانت ستجلب علي مصر حكما بالتعويض يتجاوز المليار دولار تقريبا ناهيك عن السمعة السيئة التي كات ستترتب علي الحكم، كما نجح هؤلاء المفاوضون الشجعان أن يحافظوا علي كرامة الدولة وهيبتها في تنفيذ اغلب الشروط التي رفضتها الشركة من قبل ورفعت بسببها دعوي تعويض وان تضخ مزيدا من رأس المال الاجنبي في صحراء مصر الشرقية.

كانت نتيجة المفاوضات التي لم نكن نتخيلها في ذلك الوقت أن مصر باتت علي رأس قائمة الدول المنتجة للذهب، وأنه من منجم واحد فقط وفي منطقة واحدة فقط انتجنا 2 طن ذهب في اربعة شهور فقط قيمتها 400 مليون جنيه ، في حين أن آخر انتاج للذهب المصري كان منذ خمسين سنة تقريب وكان قدره 65 كيلو جراماً ثمنه 20 ألف جنيه.

من كان يحلم بذلك، من كان يتخيل ذلك، من كان يخطط لذلك؟

الاجابة: رجال قطاع البترول.. وبدون بروباجندا وبدون صخب، وبدون زعيق وطنطيط.

لماذا كل هذه المقدمة الطويلة؟

لأني كنت اعتقد أن زمن المفآجات قد انتهي، وأن العالم بات أكثر وعيا وأكثر ادراكا لحقيقة السوق المتقلب، واكثر دراية من أن الاقتصاد المصري مازال في حاجة الي مزيد من الاستثمار ومزيد من اعمال التنمية نظرا للزيادة السكانية الرهيبة التي تتوالي كل سنة ونظرا لحجم الانفاق الحكومي علي الدعم الذي بلغ نحو 100 مليار جنيه 70% منها للمنتجات البترولية.

وامام حاجتنا المستمرة للاستثمار الاجنبي وقدوم الشركات العالمية في شتي المجالات لمصر يكون في الغالب موقف مصر أضعف من موقف الشركات الاجنبية، لكن ماحدث في مفاوضات قطاع البترول مع الشركات الاجنبية التي تبحث وتنقب عن الغاز الطبيعي في المياه العميقة في البحر المتوسط كان الامر مختلفا وكانت الآية مقلوبة وكانت النتيجة اكثر من رائعة لدرجة تشعرك بالقلق.

كيف؟

أولا الشركات الاجنبية وافقت علي تعديل اتفاقية الاسعار، وهي الان معروضة علي مجلس الشعب المصري لمناقشتها تمهيدا لإقرارها، لكن لماذا أشعر بالقلق رغم موافقة الشركات الاجنبية عليها، ورغم أن شروطها لصالح مصر.

بداية وقبل الخوض في تفاصيل الاتفاقية لابد وان نعرف أن سعر الغاز في العالم فيه مشكلة لأن ليس له سوق محددة أو منظمة قوية تحدده، وهو يختلف اختلافا كبيراً عن البترول الخام، فمن يحدد سعر الغاز ليست الدول المنتجة وليست الدول المصدرة، بل في الغالب اسواق الاستهلاك الرئيسية، وان العلاقة بين الغاز الطبيعي والبترول ليست مفهومة ولا يمكن ربطها بعلاقة مؤشرية، فمثلا عندما انخفض البترول الي ما دون الـ 40 دولاراً للبرميل انهارت اسعار الغاز الطبيعي الي ما دون الدولار الواحد لكل مليون وحدة حرارية، في حين أن البترول عندما استعاد وعيه وقيمته وارتفع الي ما فوق الـ 80 دولارا لم تتحرك اسعار الغاز كثيرا وبقي في القاع.

هذا الامر جعل الشركات تعيد النظر من جديد في تكلفة البحث والاستكشاف والتنمية للغاز الطبيعي خاصة تلك التي تتم في المياة العميقة المكلفة للغاية، ومنها شركتا بي بي البريطانية وشركة ار دبليو دي الالمانية التي تبحثان عن الغاز الطبيعي في المياه العميقة في البحر الابيض المتوسط (فقط نشير الي أن مصطلح المياه العميقة يشير الي أن العمق يزيد علي 1000 متر).

ماذا تفعل الشركات هذه مع السعر المنخفض للغاز وارتفاع تكاليف البحث والتنمية في المياه العميقة، فالاتفاقية القديمة تحدد سعر الغاز بحد اقصي 2.65 دولار في حين أن تكلفة استخراجه وتنميته تتجاوز ذلك بكثير.

هذه الشركات أوقفت العمل في تنمية حقولها التي اكتشفت به احتياطيات غاز تقدر بـ 5 تريليونات قدم مكعب و55 مليون برميل متكثفات وهي تضع في بطنها "بطيخة" صيفي، لأن لديها عقوداً قديمة مستمرة حتي عام 2030 وتستطيع "تسقيع" الحقول في عرض البحر، انتظاراً للمفاوضات حول الاسعار لتتناسب مع التكلفة.

لكن الاسعار لم تتحرك ومازالت في أدني مستوياتها، هذا فضلا عن الضغوط الدولية التي تمارس الآن علي الشركة البريطانية بسبب بقعة الزيت في المحيط الاطلنطي، الامر الذي تلقفته وزارة البترول، وطالبت الشركة بالعمل واستكمال اعمال التنمية في حقولها، فكان رد الشركة بأن الاسعار الحالية لا تناسبنا، وان التكلفة بالنسبة لسعر شراء الغاز الطبيعي المحدد بالاتفاقية القديمة "خراب بيوت" لها، ولا يحقق عائداً علي الاستثمار سوي 5% وطلبت رسميا تحريك الاسعار حتي تستطيع أن تفي بالتزاماتها.

قطاع البترول فكر كثيرا في الامر وأعد العدة وأجري دراساته واتصالاته العالمية قادتها إدارة الاتفاقيات والاستكشاف بوزارة البترول وهيئة البترول، وعرضت الامر علي الوزير سامح فهمي، فدخلوا بعدها في جلسات مطولة واجتماعات كثيرة لوضع سيناريوهات الموقف وأوراق اللعبة كلها، ثم بدأت المفاوضات.

وبعد قرابة العام ونصف العام من المفاوضات الصعبة والمميتة، انتهت الي موافقة مصر علي تعديل الاتفاقية وتحريك الاسعار قليلا لكن بحساب، حيث وضعت مصر سعرا جديدا للغاز المكتشف في المياه العميقة يتراوح ما بين 3 دولارات (وهو يعادل اعلي سعر بيع حاليا في السوق المحلي لصناعات كثيفة استهلاك الطاقة) الي 4.1 دولار (يعادل متوسط سعر تصدير الغاز في آخر سنة).

لكن!

وضع تحت كلمة لكن هذه ألف خط، حيث اشترطت وزارة البترول ثمانية شروط لهذه الشركات كي ينطبق عليها هذه الاسعار، أولا أن تكون الاعماق تزيد علي 1000 متر تحت سطح البحر، ثانيا أن تكون درجة الحرارة مرتفعة جدا، ثالثا أن يكون الضغط تحت البحر وصل الي أقصي درجة، رابعا أن تكون المخاطر وصلت الي أقصي درجة، خامسا أن تكون خزانات التسهيلات متفرقة وبالتالي ترتفع التكلفة، سادسا أن يكون هناك حد ادني للاحتياطي لا يقل عن 2-3 تريليونات متر مكعب من الغاز، سابعا أن يتم بدء الانتاج والتنمية في حدود اربع سنوات كحد أقصي، ثامنا أن تكون هناك شروط جزائية لمخالفة أي بند من هذه البنود السبعة.

وقفت مذهولا امام هذه الاشتراطات ولم اتمالك نفسي وقلت للمهندس سامح فهمي: وما الذي يجبر هذه الشركات علي أن تقبل هذه الشروط الصعبة، فهي ببساطة تستطيع أن تلجأ الي الاتفاقية القديمة وتنتظر حتي ترتفع الاسعار بدون "كرباج" التعديل؟.

ابتسم وزير البترول وقال: انا اتفهم قلقك وقلق كل من يسمع هذه الشروط، لكن هناك مبدأ رفعناه في قطاع البترول ونحن نضع استراتيجية قطاع البترول قبل سنوات والتي وافق عليها الرئيس مبارك، وهو أن مصلحة مصر فوق كل اعتبار، وأن اي تعديل لا يتفق مع هذه المصلحة نحن لا نريده، لأننا لن نهدر سنتيمتراً واحداً من ثروة مصر دون أن تستفيد الدولة منها، وهو امر شدد عليه الرئيس كثيرا.

لكن احب أن اطمئنك واطمئن قراء «الفجر» بأن الشركات الاجنبية سوف توافق علي هذه التعديلات لأكثر من سبب، أولا اننا لا نسعي لخراب بيت الشركات من اجل مصالحنا فقط، فنحن نتفهم ما تمر به عمليات البحث والاستكشاف، واعمال التنمية، ونعلم جيدا أن المرونة مطلوبة، ونعلم أكثر أن لدينا التزامات تجاه المواطنين ومحدودي الدخل يجب أن نلبيها، ونعلم أن البترول والغاز هما قاطرة التنمية في مصر، وأن الرئيس مبارك شدد علي أهمية وضع محدودي الدخل في قمة أولوياتنا، وبالتالي فنحن في حاجة الي مصانع جديدة وفي حاجة الي مد العمران والتطوير الي أقصي الجنوب، كل هذا كان في تفكيرنا ونحن نتفاوض.

ثم إن هذه الشركات تريد أن تستمر في العمل في مصر فهناك عشرات الشركات العالمية الاخري تريد أن تأخذ مكانها، فهناك بنية اساسية لقطاع البترول والغاز الطبيعي في مصر غير متوفرة في دول عديدة، فالعبرة ليست بوجود غاز او بترول، العبرة بالتسهيلات والبنية الاساسية من خطوط نقل ومعامل تكرير ومصانع إسالة وموانئ تفريغ وتحميل ووجود شبكة معقدة وضخمة من خطوط الغاز المحلية مثل خط الغاز المصري وخط غاز الصعيد وخط الغاز العربي، مصر تستطيع التصدير من أي ميناء فيها وسواء علي البحر الاحمر او البحر المتوسط، كل هذه عوامل تجعل الشركات العالمية تفكر كثيرا قبل أن تذهب الي أي دولة وتبحث وتنقب.

ويضيف الوزير: هناك انواع عديدة من الغاز الطبيعي أولا غاز تكلفته رخيصة هو الموجود بالصحراء الغربية وغاز متوسط الثمن والتكلفة موجود في خليج السويس، وهناك غاز غال موجود في الدلتا والمياه الضحلة، وهناك غاز مكلف وغالٍ جدا موجود في المياه العميقة في البحر المتوسط، والتعديل الاخير هذا لا يشمل سوي الشركات العاملة في المياه العميقة والتي يتوفر لها الشروط السابق ذكرها، والتي يتكلف البئر الواحدة فقط ما بين 150 و18 مليون دولار، وبالتالي فإن اربع آبار منها تتجاوز تكلفتها مليار دولار وقد لا تجد ما تريد وما تبحث عنه، مثلما فعلت شركة شل التي انفقت ما يزيد عن مليار دولار ولم تجد قطرة زيت او غاز اقتصادية، فهذه المخاطرة نحن لا نتحملها.

المريح في المسألة ما قاله وزير البترول فيما بعد وهو أن وزارة المالية انتدبت خبيرا عالميا لدراسة التعديل الاخير قامت بسداد اتعابه، فجاء الخبير وقام بدراساته واتصالاته وتوصل الي أن العائد علي رأس المال في هذه الاتفاقية للشركاء الاجانب يصل الي 8.7% في حين أن الاتفاقية القديمة تحقق للشركاء الاجانب نسبة العائد علي رأس المال يبلغ 5% فقط وهو معدل غير اقتصادي للشريك الاجنبي يجعله يحجم عن اعمال التنمية في ضوء ضخامة الاستثمارات المقدرة بـ 9 مليارات دولار سوف يستردها علي 20 سنة وضرب الخبير مثلا لدول مجاورة مثل العراق وليبيا، حيث اتضح أن نسبة العائد للشريك الاجنبي في ليبيا تبلغ 22% في حين أن النسبة في العراق تبلغ 25% ، واعتقد أن هذا خير دليل علي أن قطاع البترول يعرف جيدا كيف يجلب لمصر المنفعة وكيف يدرأ عنها المفسدة في آن واحد.

News Highlights Right Shadow
News Highlights Left Shadow News Highlights Bottom Shadow News Highlights Right Shadow
Spacer
Spacer
خدمات اخري بالموقع
Ribbon Fold



بوابة مصرية للاخبار والنتائج وخدمات اخري
Category Section Corner
المزيد نكت
News Bullet نكتة جامدة جدا
News Bullet نكتة جامدة
News Bullet اوعى تفوتك نكتة النهاردة حلو اوى
News Bullet نكتة شقية جدا
News Bullet مسطول راح المحكمه
News Bullet تحفة جدا النكتة دى
News Bullet بجد نكتة تموت من الضحك
Category Section Corner
المزيد صور نادرة
News Bullet رسالة في جيب الملك خالد عند وفاته‏
News Bullet نوع نادر من الزرافات اسمه okapi
News Bullet فن الرسم على ظل الأنوار
News Bullet عربية مجندة في صفوف الجيش الإسرائيلي .. شاهد الصور
News Bullet ساعات حائط نادرة وعجيبة في تصميمها
News Bullet قطر تقدم تصاميم خرافية لاستضافة كأس العالم 2022 .. شاهد الصور
News Bullet أشباه المشاهير

Category Section Corner
المزيد فيديوهات نادرة
News Bullet فيديو لحرب اكتوبر من ارض المعركة
News Bullet فضيحة طائرة الاباتشي في العراق
News Bullet فيديو عملية إغتيال المبحوح كامل
News Bullet وقفة احتجاجية للإفراج عن كاميليا شحاته
News Bullet مشاهير العالم الذين اسلموا
News Bullet تأريخ القندرة - الحذاء - في السياسة العراقية
News Bullet اسرائيلية تقتل جارتها الحامل بسبب كوب من القهوه
Category Section Corner
المزيد سينما
News Bullet Echelon Conspiracy
News Bullet La Linea - The Line
News Bullet Salt
News Bullet The Last Airbender
News Bullet Inception
News Bullet House Full
News Bullet الكبار

Category Section Corner
المزيد مقالات القراء
News Bullet المتنصرون : مأساة مستمرة وقضية لا تنتهي - بقلم محمد وجدي
News Bullet ما انت عارفة انى فلاح
News Bullet مطبات صناعية كالحوائط الخرسانية
News Bullet كيف تكون حقيراً
News Bullet الحــلم الحـقـيـقي
News Bullet كفايه قطع الكهرباء . . . مصر مش شايفه عيالها
News Bullet لية بتكرة تامر
Category Section Corner
المزيد شارك برأيك
News Bullet شارك برأيك: هل أثر الغلاء على مشترياتك من "كعك العيد"؟
News Bullet شارك برأيك : ما تقييمك لإداء الأهلي في مباراة شبيبة القبائل؟
News Bullet شارك برأيك : هل ترى ان الاستقبال الجيد للشبيبة الجزائري يصلح العلاقة مع مصر؟
News Bullet شارك برأيك: حملات الشرطة لملاحقة المجاهرين بالإفطار تثير جدلاً
News Bullet المصريون يشكون أنقطاع التيار الكهربى ولا حل أخر ... شاركنا برأيك
News Bullet كيف تقضي وقتك في رمضان؟ شاركنا برأيك
News Bullet شارك برأيك : برامج التوك شو والكوميدي وغيرها تتنافس خلال 30 يوم

Category Section Corner
أبحث بالموقع




Category Section Corner
الارشيف
 
 

Category Section Corner
كتاب الموقع
News Bullet عادل حمودة
News Bullet عبد الفتاح علي
News Bullet خالد حنفي
News Bullet منال لاشين
News Bullet سحر الجعارة
News Bullet نادية صالح
News Bullet محمد الباز
News Bullet مصطفي عمار
Category Section Corner
بي بي سي
BBC

Category Section Corner
اعلانات
Category Section Corner
المزيد الاحداث في صور مع ميزو
News Bullet بالصور أحمد المسلمانى يحتفل بخطوبته بحضور العديد من الإعلاميين
News Bullet بالصور الهجوم الصهيوني على قافلة الحرية .
News Bullet صور المذيع ايهاب صلاح المتهم بقتل زوجته ليلة الحادثة .
News Bullet قبلات المونديال
News Bullet شاهد كيف تسخر اسرائيل من العرب والمسلمين
News Bullet امريكا تذوق طعم الهزيمة
News Bullet رونالدينيو يحرج دونجا و يسجل مرتين فى اليوفى .
Spacer