| حين طرح الحزب الوطني مشروع صكوك الخصخصة منذ عامين، هلل بعض قياداته بأن حكومة الحزب ستوزع علي المواطنين اسهم الشركات بنحو ألف أو ألفين جنيه، ردد المتشككون علي الفور المثل الشعبي الشهير (الحداية ما ترميش كتاكيت)، واذا كان الشك امام المحاكم يفسر لصالح المتهم، فإن الشك في الحكومات يفسر ضدها، وبعد طول عشرة فقد اصبح الشك في حكومتنا وحزبها من حسن الفطن، لذلك كان من البديهي ان يلعب مائة فأر في صدور الموظفين عندما اظهرت الحكومة استجابة فورية علي حكم القضاء الاداري بالزامها برفع الحد الادني للاجور، ضمن التصريحات الفورية تصريح وزير التنمية الاقتصادية الدكتور عثمان محمد عثمان بأن الحد الادني المقبول للأجور 450 جنيهاً، ويمثل الرقم الذي حدده عثمان نحو ثلاثة اضعاف الحد الادني للأجور الحالي، والبالغ 112 جنيهاً. في دهاليز وكواليس الحزب الوطني ترحيب واستعداد برفع الحد الادني للاجور، وثمة اعتقاد ان تنفيذ قرار الرفع قد يكون البند الرئيسي في برنامج الحزب الوطني في الانتخابات القادمة بأنواعها (شوري، شعب، رئاسية)، بلغة السياسة فإن رفع الاجور هو ضربة معلم، وتضمن للحزب أصوات كتلة موظفي الحكومة والمحليات (نحو 6 ملايين موظف). ولكن لغة الاقتصاد تعيدنا إلي المربع الاول مربع الشك. فتمويل زيادة رفع الحد الادني للاجور يمثل عقبة كبيرة، وربما يمثل مفتاح لعبة اقتصادية وسياسية كبيرة تنتظر الموظفين، ثمة مفاجأة غير سارة قد تنتظرنا في نهاية المطاف.
بلغة الارقام فإن اجمالي بند الاجور في الموازنة العامة للدولة يقدر بنحو 86 مليارات جنيه، 17 ملياراً للأساسي الاجر، والـ 69 الباقية للاجر المتغير (حوافز، وبدلات خدمات اجتماعية)، باختصار فإن المرتب الاساسي يمثل نحو ثلث الدخل بالنسبة للموظف.
وكل الاعتصامات والتظاهرات، والمطالبات تسعي إلي زيادة الدخل الكلي، وليس مطلب رفع الحد الادني سوي مدخل للزيادة النهائية في دخول الموظفين والعمال.
فرفع الحد الادني ليس هدفا في حد ذاته لدي الموظفين والعمال، ولكن رفع الحد الادني هدف هام لدي بعض قيادات الحزب الوطني، وعلي رأسهم أمين التنظيم المهندس احمد عز، وبوصفه رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب، تحدث عز اكثر من مرة عن ضرورة إعادة النظر في هيكل الاجور، ورفع الحد الادني للاجور، ومن وجهة نظر عز فان أقل دخل يحصل عليه موظف في الدولة هو 360 جنيهاً، ولذلك يطالب عز بدمج البدلات والحوافز في الأجر الاساسي، وبذلك يرتفع الحد الادني للأجور ولكن دون ان يزيد الدخل النهائي للموظف. واهم نتائج اقتراح عز هو تحسين صورة مصر في التقارير الدولية، ودمج الحوافز والبدلات مع الراتب الاساسي سيرفع الحد الادني للاجور تلقائيا، ودون تكلفة اضافية بأكثر من 200%، وبذلك تقفز مصر في ترتيب التقارير الدولية المعنية بالحد الادني للاجور عدة نقاط دفعة واحدة.
زيادة الحد الادني لدي عز وقيادات الحزب الوطني هي مجرد عملية مستندية علي الورق فقط، ولم تؤثر هذه الزيادة حتي علي زيادة معاشات الموظفين، لان الحكومة قد خفضت حصة اشتراك صاحب العمل في المعاش في مشروع قانون المعاشات والتأمينات الاجتماعية الجديد والذي سيتم تمريره خلال الدورة الحالية لمجلسي الشوري والشعب.
ورغم اقتراحات داخل الحزب الوطني بتمويل رفع الحد الادني للاجور من خلال وفورات دعم الطاقة للصناعة التي سيتم الغاؤها في نهاية العام، ورغم هذه الاقتراحات التي تحولت إلي أخبار سعيدة، فإن الحقيقة ان رفع الحد الادني للاجور مرتبط بتعديل قانون اخر، وهو قانون الوظيفة العامة، وحتي لو تم رفع الحد الادني للاجور قبل تعديل القانون، فان اللعبة الكبري ستتم بإقرار قانون الوظيفة العامة.
ويسعي مشروع القانون ايضا إلي التقريب بين الدخل الاجمالي للموظف والراتب الاساسي، ولذلك سيتم نسف هيكل الاجور الحالي، وسيجري إدخال البدلات والحوافز الحالية في الراتب الاساسي، ولذلك فان رفع الحد الادني للاجور لـ 450 جنيهاً لم يؤد إلي زيادة الدخل لاكثر من نصف موظفي الدولة، وللإنصاف سوف يستفيد من رفع الحد الادني نحو 1، 5 مليون موظف من الذين يقل اجمالي دخلهم عن 450 جنيهاً.
هذه الفئة تمثل أفقر نسبة في موظفي الدولة، ولكن غالبية موظفي الدولة من أبناء الطبقة الوسطي لم تستفد من رفع الحد الأدني إلي 450 جنيهاً.
وزير المالية الدكتور يوسف بطرس غالي لديه خطة اخري معلنة لتمويل زيادة الحد الادني للاجور للعاملين بالدولة، يشترط غالي ضم أموال الصناديق الخاصة (اكثر من 100 مليار جنيه) إلي الخزانة العامة، وعندما يحصل غالي علي أموال الصناديق التي تخص الجهات الحكومية يستطيع ان يوفر تمويل رفع الحد الادني للاجور.
ولاشك ان هناك تلاعباً في استخدام اموال معظم هذه الصناديق، وهو التلاعب الذي كشفه التقرير الاخير للجهاز المركزي للمحاسبات. ولكن جزءاً لا يستهان به من هذه الاموال تذهب إلي حوافز ومكافآت مستحقة ومشروعة لفئات من العاملين بالدولة، علي رأس هذه الفئات أساتذة الجامعات، هذه الحوافز حتي لو كانت خطأ قانونياً، فإن من دواعي العدل ان نعترف بأنها تحل ازمة قلة الدخول لأساتذة الجامعات وشباب الباحثين، قد اصبحت الصناديق الخاصة جزءاً لايمكن الاستغناء عنه لمواجهة جنون ارتفاع الاسعار، وما ينطبق علي اساتذة الجامعات ينطبق علي فئات أخري كثيرة في الحكومة ومؤسساتها.ولذلك فان وضع وزارة المالية يدها علي هذه الصناديق مقابل رفع الحد الادني للاجور لن يزيد دخول هذه الفئات، وضم الصناديق الخاصة للمالية قد يحقق الانضباط المالي لهذه الصناديق، ولكنه لم يحل ازمة انخفاض الدخل الذي اصبح يهدد الامن القومي، ويمثل الشريان الرئيسي للاعتصامات والاضرابات والاحتجاجات العمالية وللمهنيين.
ولذلك فكل من خطة غالي او عز تهدف إلي ضبط ايقاع الانفاق العام، وتجميل صورة الموازنة العامة حماية لسمعة مصر، ولكن هذه الاهداف النبيلة لا تمثل الهدف بالنسبة للمواطنين، لانها ببساطة لاتتحول لدخل إضافي، ونقود تشتري فولاً او لحوماً أو دواء اوتدفع فواتير الكهرباء والماء والمدارس.
|