| لم تكن الفكرة التي تقدمت بها الباحثة شيماء محمود عواض خليفة المدرس المساعد بقسم اللغة العربية بكلية الألسن جامعة عين شمس لتثير أزمة لو كان الأمر توقف عند عنوان خطتها المقترحة لنيل درجة الدكتوراة، فالعنوان الذي اقترحته هو"الوطن في المسرح السياسي بين علي أحمد باكثير في "شيلوك الجديد" وصادق هدايت في "المازيار" ...دراسة مقارنة، فدراسة آداب الآخرين وفنونهم مطلوبة علي الأقل لنعرف كيف يفكر العالم من حولنا.
لكن الأزمة أن شيماء لن تتوقف عند دراسة معني الوطن من خلال المقارنة بين مسرحية مصرية كتبها علي أحمد باكثير هي "شيلوك الجديد" و" المازيار" وهي مسرحية لكاتب إيراني، ولكنها وطبقا لخطتها التي ناقشها مجلس القسم، تسعي إلي صياغة معني الوطن في زماننا هذا.
صياغة معني الوطن يمكن أن تكون هدفاً نبيلاً بالطبع، خاصة أن معني الوطن وخلال العقود الماضية في مصر تعرض لأزمات طاحنة وهزات مشهودة ومعروفة، لكن أن تستلهم شيماء معني الوطن من كاتب إيراني متعصب وتريد من طلابها والباحثين الذين سيطالعون رسالتها بعد ذلك أن يؤمنوا به فهذه هي الأزمة الحقيقية.
تقول شيماء في خطتها إن الدراسة تقوم علي فكرة الوطن بين عملين مسرحيين ينتمي كل منهما لثقافة مغايرة عن الآخر، فمسرحية "شيلوك الجديد" لعلي أحمد باكثير تعد أول مسرحية طويلة كتبها باكثير عن قضية فلسطين، وقد استلهمها عندما قرأ أن الزعيم الصهيوني جابوتنسكي خطب مرة في مجلس العموم البريطاني، فضرب المنضدة بيده وهو يقول "أعطونا رطل اللحم ..لن ننزل أبدا عن رطل اللحم"، مشيرا بذلك إلي الوطن القومي الذي تضمنه وعد بلفور، ومن هنا وجد باكثير الضالة التي كان ينشدها، فهذه الكلمة حجة علي الصهيونية لا لها، واتخذها فكرة لمسرحيته مستحضرا في ذهنه مسرحية تاجر البندقية لشكسبير.
وتعكس المسرحية كما تقول شيماء الصراع القائم بين العرب واليهود وتمسك كل منهما بوطنه (الباحثة هنا تؤكد من حيث لا تدري أو أنها تدري أن لليهود وطناً في فلسطين، وأن الصراع بينهم وبين العرب ليس إلا صراعاً علي الوطن المستحق لكل منهما).
لكن هناك ما هو أهم حيث تري شيماء خليفة أن مسرحية المازيار لصادق هدايت تتفق مع مسرحية باكثير في الفكرة نفسها، فالمازيار شخصية تاريخية إيرانية تنحدر من أسرة ملكية في طبرستان (مازندران حاليا)، وقد حاول هدايت الاستقلال بإقليم طبرستان عن الخلافة العباسية وإعادة مجد الفرس، وقد أراد صادق أن يجعل من شخصية المازيار شخصية عاشق للوطن الإيراني القديم لا الوطن الإيراني الذي اصطبغ بصبغة الإسلام والعرب، وقد جعل البطولة النسائية لشخصية شهرناز التي تماثل ملامح الوطن.
وتخلص شيماء خليفة من ذلك كله إلي أن مسرحية المازيار تعكس الصراع بين العرب والفرس، ومن هنا تحديدا تجد الباحثة اتفاق كل من شخصيتي شيلوك والمازيار في هدف واحد، ألا وهو بعث الروح القومية والتمسك بإقامة وطن يستقل عن العرب والمسلمين.
لكن أين الأزمة في كل ذلك؟، من وجهة نظر عدد من أساتذة قسم اللغة العربية بكلية الألسن أن موضوع شيماء خليفة يخالف بل ويناقض الوعي الكامل بالفكر القومي وقضايا العروبة والإسلام والفهم الواعي لمقاصد الأسلاف العرب والمسلمين، حينما كانوا يخرجون من ديار الإسلام مجاهدين فاتحين لنشر دين الله في البلاد القريبة والبعيدة.
الموضوع ببساطة بصورته الحالية التي أجازته جامعة عين شمس يحمل خطورة بالغة، فهو يرسخ مفهوما عنصريا شعوبيا روجه الشعوبيون من أعداء العرب والمسلمين (اليهود والفرس)، حين قالوا إن العرب والمسلمين كانوا محتلين لأرض فارس وأن دخولهم فيها كان دخول الغزاة الهمج، وهو ما يتسق تماما مع ما يتبناه فريق من أقباط المهجر وبعض أقباط الداخل، من أن المسلمين لم يكونوا سوي محتلين لمصر، وأنه آن الأوان أن يخرج المحتل ويترك البلد لأصحابه الأصليين من الأقباط.
أي أننا - دون أن تدري شيماء خليفة والمشرفون عليها - أمام رسالة دكتوراة يمكن أن تكون سندا ومرجعية للأقباط المتعصبين ليطالبوا بمعني الوطن الذي تطالب به وتسعي إلي بعث الروح فيه من جديد، ويمكن بذلك أن ينضم إلي شيلوك الجديد والمازيار المدعو موريس صادق وهو أحد زعماء المهجر، الذين يسخرون أنفسهم للمطالبة بوطن قومي للأقباط، وبمعايير الرسالة العلمية يمكن التعامل مع موريس وأمثاله علي أنه بطل قومي، كما تعتبر شيماء المازيار بطلا تاريخيا للفرس.
إننا أمام هدف مراوغ، والغريب أن الرسالة يشرف عليها أستاذان من قسم اللغة العربية بكلية الألسن، الأول هو الأستاذ الدكتور محمد عبدالرحمن شعيب أستاذ النقد والأدب المقارن، والأستاذة الدكتورة ثريا محمد علي أستاذ ورئيس قسم اللغات الشرقية والإسلامية، ووجه الغرابة أن الدكتورة ثريا لها دراسة شهيرة عنوانها"المسرحية التاريخية في الأدب الإيراني الحديث"صدرت في القاهرة في العام 1996، وعرضت فيها المسرحية "المازيار"، وقد وصفت الدكتورة ثريا المسرحية في دراستها بأنها تمثل كل مفاهيم العنصرية والكره والبغض للعرب والمسلمين.
كان هذا هو رأي الدكتورة ثريا في المسرحية عام 1996، ولذلك اندهش أساتذة قسم اللغة العربية أنها وفي 2010 تأتي لتقدم المسرحية من زاوية أخري ومن وجهة نظر إيجابية، حيث تتعامل معها علي أنها نموذج للوطنية، وأننا يجب أن نأخذ مفاهيم الوطنية منها، والسؤال الذي لابد أن تجيب عنه الدكتورة ثريا بكل أمانة مع نفسها هو:كيف لنا أن نأخذ مفاهيم الوطنية والدفاع عن الوطن من مسرحية كل مضمونها هو ثورة إيراني متعصب هو المازيار ضد الحكم العربي الإسلامي في إيران ومحاولة اقتلاعه من أيدي المسلمين، واستعادة الوطن الفارسي الزرادشتي لأبنائه، وكيف نأخذ مفاهيم الوطنية من عمل مسرحي تطفح كل سطوره بالكره والبغض والسباب في حق العرب والمسلمين.
مسرحية "المازيار" التي تحمست لها الدكتورة ثريا تتجاوز معني الوطن، إلي أن تكون قصيدة هجاء طويلة للعرب والمسلمين، ويمكن لنا أن نرصد صورة العرب والمسلمين فيها من خلال ما قاله أبطالها، وما قاله المازيار نفسه في فصول المسرحية المختلفة.
يقول سيمور: لقد أخرجت ما في نفسك، إن شهرناز ابنة مردانشاه الزرادشتي وهي أيضا مثل الخليلة، لأن العرب قطعوا رأسي أبيها وأمها أمامها ومنذ هذا الوقت طاش صوابها.
يقول المازيار وهو يدق الأرض بقدميه:آه..آه..لقد دبرها اليهود مع كل هؤلاء المسلمين وباعونا فريسة لهؤلاء العرب اللصوص، ليست لنا قدرة علي مجابهة هؤلاء الناس، وهم أنفسهم لا يريدون.
ويسأل برزين المازيار:هل نسيت اتحاد نفس هذا الشعب(في إشارة إلي الشعب الإيراني) في عهد ونداد هرمز جدكم والذي في يوم واحد أفشي القتل العام في كل ما هو عربي في مازندران، وحتي النساء الإيرانيات واللاتي لهن أزواج عرب لقد جذبوهم من لحاهم وأخرجوهم من بيوتهم وسلموهم إلي الجلادين، فيرد المازيار:في هذا الوقت كان بعروق الرجال الدم الإيراني أما الآن الم تفسد سلالتهم؟فيقول برزين:ألم يكن أبولؤلؤة قاتل عمر شخص إيراني، أبو مسلم والبرامكة وبابك وكثيرون غيرهم ألم يكونوا إيرانيين ثاروا ضد العرب.
هذه بعض الفقرات التي وردت في مسرحية المازيار، والآن من المهم أن نثبت ما قالته الدكتورة ثريا محمد علي عنها، في دراستها النقدية عن المسرحية التاريخية في الأدب الإيراني، عن المسرحية وعن مؤلفها صادق هدايت.
صادق هدايت ولد في العام 1903، وبدأ نشاطه الأدبي عندما كان رضا شاه علي رأس الحكم بإيران، عمل في وظائف غير رئاسية رغم مكانة أسرته وثقافته، اصطدم بالمؤسسات السياسية الإيرانية، سافر إلي فرنسا من أجل الدراسة وكان يريد أن يدرس طب الأسنان، ثم تحول إلي دراسة الهندسة، لكنه نفر من كل ذلك واتجه إلي دراسة لغة إيران القديمة، وحضارتها قبل الإسلام، وهو في كل محاولاته الدراسية لم يحصل في نهايتها علي شهادة علمية.
فكرة الانتحار ظلت تراوده منذ شبابه المبكر، انغمس في تعاطي الخمر والمخدرات.
هذا عن المؤلف، فماذا عن المسرحية؟ تقول الدكتورة ثريا:الهدف الذي حلم به صادق هدايت في مسرحيته هو بعث الروح القومية الإيرانية وإعادة مجد الأجداد أو دينهم كما حلم قبله المازيار المتمرد.
وتري ثريا أن عشق الوطن أمر محمود ولا شك، ولكن غير المحمود هو التطرف في هذا العشق إلي درجة الانحياز المطلق الذي يصل إلي العصبية القبلية، وقد عهدنا في التاريخ اطلاق مسمي آخر لهذه العصبية وهو الشعوبية، فهل كان صادق هدايت شعوبيا.
والإجابة من عند الدكتورة: عرفنا كلمة الشعوبية خلال العصر العباسي الأول، ومع تجاوز العنصر الفارسي والعنصر العربي في المجتمع الإسلامي، وكانت حركة فكرية اجتماعية قامت بها جماعات غير عربية بهدف ضرب الكيان العربي من خلال ثقافته وارثه الحضاري، وذلك بالتقليل من شأن اللغة العربية ومهاجمة التراث العربي الإسلامي والتشكيك في دور العرب التاريخي والاستهزاء بالقيم والمثل العربية مقابل الاعتزاز بالإرث الحضاري الأعجمي والتمجيد للقيم والسجايا غير العربية وإحياء الثقافات الأعجمية.
ولأن العروبة والإسلام مترابطان فإن الشعوبية لم تهمل الإسلام وهاجمته في الصميم في محاولة منها لبث روح التشكيك في قيمه الجديدة ونشر روح الاستخفاف والاستهتار تحت العديد من الأستار التي تتخفي وراءها.
ونصل مع الدكتورة ثريا إلي بيت القصيد كما يقولون، تقول: وبناء علي هذا التعريف للشعوبية فما الذي يمكن استنتاجه من أعمال صادق هدايت المسرحية وما هو موقفها العام؟ من الواضح أن الموقف لصادق هدايت في المازيار هو بعث الروح القومية والدين القومي الإيراني - الزرادشتية من جديد - ولا شك أيضا أن مشاعر الشعوبية عند صادق هدايت قد دفعته إلي أن يستمد من التاريخ الأحداث خاصة أحداث الصراع العربي الإيراني لينفث في الإيرانيين نار إحياء التراث القومي الإيراني الذي يتمثل في الزرادشتية والنموذج الإمبراطوري الساساني قبل الإسلام.
هذا هو رأي الدكتورة ثريا في صادق هدايت وفي مسرحيته، واضح لا يقبل التأويل، فما الذي جعلها تشرف علي رسالة تمجد أفكاره ورسالته، بل إنها تسعي لأن تستلهم منه معني الوطن والوطنية.
|