| من الواضح أننا دائما نصاب بداء نهش الموتي، ونبش القبور، ليس منا احد معافي من ذلك الداء، ليس منا احد يريد الشفاء من هذا المرض، والدليل هذه المرة ليس "قالولو" ولكن الدليل ظاهر وواضح وينشر يوميا في الصحف والمجلات، وكثيرا علي شاشات برامج التوك شو.
وأعتقد أن اكثر من نبش قبره وقطعت سيرته، ونهشت سيرته، هو الرئيس الراحل محمد انور السادات، الذي قيل عنه ما قالته الصحف الحكومية في البرادعي، وتم تحميله كل أوزار وخطايا التاريخ بعد أن مات، وإن كان ضاق صدره بمن نقدوه وهو علي قيد الحياة،وهم من وجب رفع القبعة لهم واحترامهم، لأنهم كانوا اكثر شجاعة وأكثر شهامة ممن هم الآن يرفعون راية الحرب المقدسة علي الرئيس السادات ميتا.
وحتي أكون منصفا قدر الإمكان، فإن ثقافتنا وتنشئتنا خلقت منا جبناء بالسليقة، ضعفاء لا نقوي علي دفع ثمن كلمتنا لو قيلت في حياة المسئول، هناك استثناء، لكني اتكلم علي القاعدة الاعم.
اعتقد أن تربيتنا في البيوت هي السبب، واعتقد اكثر أن آباءنا يحملون قدرا ليس بالهين من المسئولية علي غرس هذا المنطق الانساني المعيب في عقولنا، ومنح قلوبنا المرتعدة مساحة اكبر للتفكير، واتخاذ قرارات ترفع راية الخوف او "الحكمة" كما يفضل آباؤنا تسميتها.
هذا الخوف الذي عشناه في بيوتنا وتعلمناه في مدارسنا وجامعاتنا، ثم تبادلناه في حياتنا اليومية هو نابع من داخل كل فرد فينا.
أي أن مشاعر خوف داخلية نتجت عن ممارسات تم منعها او تحريمها من قبل، ومشاعر الخوف هذه يتم نقلها وتحويلها إلي صور في أذهاننا، هذه الصور ما إن نراها حتي نشعر بالخوف وبالذعر، هكذا قال بعض علماء النفس.
لكن البعض الاخر قال إن صدمة ما حدثت للإنسان جعلته يخاف كلما بلغه خبر مماثل وحادثة مشابهة، كأن تتحدث مع أبيك عن حبك لكرة القدم فتصدم من نزول يده الثقيلة علي وجهك لأنك لعبت ولم تذاكر، فتظل هذه الصدمة معلقة في ذهنك طيلة حياتك، وما إن تري طفلا صغيرا يلعب الكرة في الشارع حتي تتذكر "القلم" وتشعر بأسي عليه لأنك تعتقد انه سيواجه نفس المصير.
لكن ما علاقة هذا الكلام بذكر مساوئ موتانا؟
لأن الامثلة كثيرة، لكل من عارض الرؤساء في حياتهم، ولكل من فكر أن يتمرد علي نظام السيد الرئيس، اما أن يذهب "وراء الشمس" أو يأتي من الشمس بعاهة مستديمة أو تكون إدارة الشمس قد صادرت عضوا من أعضائه.
فإذا رأينا مثالا لهذا - والامثلة كثيرة - سنكون قد تعرضنا لما يسمي بـ مصدر الهلع والخوف الذي يتم تخزينها في الذاكرة وبالتالي ما إن نراه مرة اخري او نتذكره تخرج مشاعر الخوف الدفينة هذه في صورة، المشي جنب الحيط، واحنا مالنا، يا ارض نشقي وابلعيني.
وقد يصل الامر إلي اننا نتحول بشكل لا إرادي إلي مناصرين (منافقين بالسليقة) لكل ما يقوله النظام، ولا نري من الكوب سوي الجزء الممتلئ حتي ولو كان ضئيلا جدا لا يري بالعين المجردة، فنشعر بالفخر بوجود مترو انفاق ونحن محشورون فيه، او نسعد بكثرة الكباري ونحن محجوزون فوقها بالساعات، أو نحمد الله علي وجود رغيف العيش ونحن ننزع منه المسامير والحصي وبقايا السولار او المازوت.
وما إن يموت رأس النظام الذي كنا نمدحه بلا وعي حتي نتحول إلي مناصرين متطوعين لرأس النظام الجديد ولاعنين لرأس النظام الراحل ونقول الله لا يرجعها أيام، أو قد يستمر البعض الاغلب في النفاق السليقي ونمدح ما فات وما هو آت طالما كانت المناصرة المجانية تقينا من شر غير موجود أصلا.
|