| لم تكن العلاقة بين الملياردير نجيب ساويرس والحكومة متوترة علي الدوام فقد عاش الاثنان شهر عسل طويلاً جدا شرب خلاله ساويرس كئوس العسل والشهد وكان يطلب فتستجيب الحكومة ولسان حالها يقول (طلباتك أوامر) حقق نجيب خلال هذه الفترة معظم أحلامه اشتري شركة المحمول الحكومية والتي انطلق من خلالها وبها وبأرباحها إلي جميع دول العالم، وأصبح راعي الفنون برعايته لمهرجان القاهرة السينمائي وشارك في ملكية صحيفة يومية، وامتلك أكثر من قناة فضائية، ولكن جرح نجيب الغائر هو فشله في امتلاك بنك.
مع بداية حكومة نظيف بدأت عملية الإصلاح المصرفي وتتبعها بيع عدد من البنوك المشتركة وبيع بنك الاسكندرية وكان بنك القاهرة مطروحاً للبيع، وفكر نجيب لماذا لا أمتلك بنكا؟ لم يعترف نجيب بأن القوانين المصرية لا تتيح شراء الأفراد للبنوك، بالنسبة لشخصيته العنيدة فالقوانين يجب أن تتغير لصالحه وتحقيق مصالحه خاصة ونحن بلد مبدع ومبتكر في خرق القوانين وتعديلاتها بسرعة الصاروخ، في ذلك الوقت وعندما اشتدت بنجيب الرغبة في شراء بنك، وارتفعت درجة شهيته مع توالي بيع عدد من البنوك، لجأ ساويرس إلي الإعلام، وراح يلعب علي الوتر الوطني ويشكو اضطهاد المصري علي أرض بلده، وأن الأجانب من حقهم شراء البنوك والمصريين يحرمون من هذا الحق، طيب المواطن يعيش ازاي بدون تملك بنك، وأظنه كاد يرفع شعار (البنوك كالماء والهواء حق لكل مواطن). باختصار استخدم نجيب ساويرس في معركة البنك نفس الأسلوب الذي يستخدمه الآن في معركة شركة موبينيل أو بالأحري في صراعه مع الشركة الفرنسية فرانس تيليكوم.
وبنفس الطريقة راح يوزع اتهاماته وتجاوزاته فقال في حوار صحفي إن محافظ البنك المركزي الدكتور (فاروق العقدة راكب دماغه) وهي جملة أغضبت الكثير من العقلاء داخل الحكومة وخارجها، المثير أن العقدة لم يغير القانون ليحرم ساويرس من حلمه في تملك بنك، وأن نجيب نفسه لم يؤسس بنكاً في الخارج كما هدد ليدخل بهذا البنك في مناقصة شراء أحد البنوك العامة سواء بنك الإسكندرية أو بنك القاهرة، ولكنه كان يتصور بمنطق طلباتك أوامر أن نغير قانون البنوك، ونقدم لساويرس بنكاً كبيراً يليق به، وليكن بنك القاهرة.
الآن وبعد تكشف أزمة موبينيل التي قادنا إليها عناد نجيب ساويرس، أتصور بعين الخيال بعضاً من المطبات والكوارث التي كان من الممكن أن تقع علي رءوسنا لو تملك نجيب بنكاً، ماذا يحدث لو نجحت حملة وضغوط نجيب ساويرس لشراء بنك صغير أو بنك كبير كبنك القاهرة.
أول مهمة لنجيب ساويرس المشتاق لشراء البنك هو البحث عن شريك في تمويل شراء بنك بنحو 10 أو 11 مليار جنيه، وفي سعيه المحموم لإتمام الصفقة كان سيرضي بكل الشروط، وبنفس الشروط التي وضعها بنفسه في عقد شراكته مع فرانس تيليكوم والتي أضاعت منه موبينيل، فالمهم هو الحصول علي شريك قوي لشراء البنك.
وافترضوا أن نجيب وشريكه الأجنبي نجحا في شراء بنك القاهرة وقام ساويرس بوصفه رئيس مجلس الادارة أو صاحب النسبة الحاكمة في قرارات الجمعية العمومية بتقديم قروض لشركات أجنبية من تلك الشركات ذات الصلة بمشروعاته المنتشرة والمتوغلة في أنحاء العالم أو قام بتوجيه البنك وأمواله لتمويل مشروعات مربحة ولكنها لا تعود علي المجتمع المصري بآثار إيجابية مؤثرة، مثل تحويل جزء من محفظة استثمارات البنك للاستثمار العقاري الفاخر أو الاستثمار السياحي الموجه لجذب الأثرياء من مختلف فروع العالم أو تمويل مشروعات الطيران السياحي الفاخر (الطائرات الخاصة وخدمة تأجيرها) وكلها مشروعات قانونية ومشروعة ولكنها لا تخدم أهداف ومصالح الغالبية العظمي من المصريين، لو فعل صاحب البنك العائلي الملياردير نجيب ساويرس ذلك فهل كنا سنفرح ونهلل لمجرد أن المصري أفندي ساويرس قد تملك بنك القاهرة، وهل هذا هو مفهوم رأس المال الوطني؟ هل كان وضع المصريين والاقتصاد المصري سينتعش لمجرد أن ساويرس تملك بنك القاهرة رغم أن مشروعات البنك تخدم شريحة محدودة من المصريين والأجانب؟ وما هو الضمان أن يعيد نجيب ساويرس ضخ أرباحه من بنك القاهرة في مشروعات علي أرض مصر. وهذا السؤال هام ومحوري ويتهرب منه نجيب وأصدقاؤه لأن إجابته ستكشف أن نسبة لا يستهان بها من أرباح ساويرس من شركة موبينيل قد تم استخدامها في تمويل مشروعاته خارج مصر. فعندما غضب نجيب علي الدكتور عاطف عبيد وحكومته أعلن أنه لن يستثمر جنيهاً واحداً في مصر.
نجيب الذي يلعب الآن دور أبوسويلم في فيلم الأرض ويعزف هو وأصدقاؤه علي أوتار رأس المال الوطني يتجاهلون أن مساندة المستثمر المصري ليست هدفاً مستقلاً في حد ذاته. ولكنها وسيلة لضمان نوع المشروعات التي تخدم الاقتصاد، وإعادة تدوير الأرباح في مصر، وتشغيل المزيد من المصريين، وعدم الإضرار أو تهديد الاقتصاد والأمن القومي.
فالكثيرون وعلي رأسهم ساويرس يتجاهلون أن تملكه لبنك القاهرة أو أي بنك آخر كان من الممكن أن يعرضنا لكارثة الحجز علي أموال البنك الذي يملكه ساويرس من قبل أحد الشركاء المتنوعين لأعمال، أو بالأحري مشاكل ساويرس في الخارج، أقل هذه المشاكل قد تكون في الجزائر أو حتي إيطاليا، ولكن وأسوأها أن تقع مشكلة تخص حصة المهندس المصري في شركة اتصالات بينتوت الإسرائيلية، ولو اندلعت مشكلة بينهما لاندفع نجيب في تحكيم أو في قضية ولو خسرها مثلما حدث في موبينيل لكانت النتيجة السوداء، فقد يتم الحجز علي أموال بنك مصري لصالح شركة إسرائيلية، فهذا السيناريو الأسود لم يكن بعيدا عن التحقيق لو استجبنا لنزوات ساويرس في تملك بنك بحجة أن المستثمر المصري أولي وأحق بالرعاية. ولكن ساويرس يريد في نفس الوقت أن يحتفظ لنفسه بحرية استخدام أرباح مشروعاته المصرية في أي بلد حتي لو كان هذا البلد هو إسرائيل، فقد دفعه حلمه لزيادة حصته في شركة اتصالات صينية للتورط بتملك حصة في شركة اسرائيلية، ومن باب روح الوطنية التي تجمعني أنا والملياردير نجيب ساويرس اقترح عليه ألا يتورط في تطبيع اقتصادي مع إسرائيل حتي لا يخرج عن إجماع الرأسمالية الوطنية، وأن يقتدي بمنافسه الشهير في مجال المحمول الراحل محمد نصير الذي رفض طوال رحلته الاقتصادية الناجحة أن يتعامل مع إسرائيل.
|