| تجاوزا يمكن اعتبار الزعيم الليبي "معمر القذافي" المعارض الأول للنظام الليبي!.
فهو لا يكف عن نقد تضخم "الثروة" في يد قلة معدودة، ويطالبهم بإعادة ما لديهم للشعب الليبي.. لكن الابن المرشح لوراثة الحكم"سيف الإسلام القذافي"، حول جينات "الزعامة" إلي مشروع إصلاحي
يتجاوز الخطوط الحمراء لـ"النقد".
تبني "سيف الإسلام" صفقة الإفراج عن طاقم التمريض البلغاري الذي كان متهما بنشر فيروس اليدز بين مئات من الأطفال الليبيين. وفتح ملف انتهاكات حقوق الإنسان، وعقد مصالحة وطنية بين النظام من جهة، والجماعات الإسلامية المتشددة ومعارضين ليبيين في الخارج.. والأهم من ذلك كله أنه أخرج سيناريو حل أزمة "لوكربي".
كل هذا فعله "سيف الإسلام" من منصب لا وجود له إلا في الدول المتخلفة، وأعني هنا منصب "نجل الرئيس"، صحيح أنه كان
يعمل تحت مظلة مؤسسة "القذافي للتنمية"،التي تمكنت من الإفراج عن أعداد كبيرة من المعتقلين السياسيين، وقادت حملة ضد التعذيب في ليبيا والشرق الأوسط.. لكن السؤال: لو لم
يكن "سيف الإسلام" نجل زعيم الثورة الليبية، هل كان سيسمح له بممارسات تدين النظام ضمنيا، وتكشف عوراته؟.. قطعا الإجابة بالنفي!!.
لا يوجد في العالم العربي من يتبني مشروعا إصلاحيا، ينتقد الحالة المتردية لقطاعي الصحة والتعليم، ويهاجم ما وصفه "سيف الإسلام" بجشع "88القطط السمان" في مؤسسات الدولة الليبية- ليوجد من
يجرؤ علي ذلك إلا من كان يتمتع بحصانة "صلة الدم" الموصولة بشريين قصر الحكم!!.
كان واضحا للمحللين السياسيين أن "سيف الإسلام" قرر أن يصل للحكم، كفارس يتبني مشروعا إصلاحيا (ينقل البلاد من ليبيا الثورة إلي ليبيا الدولة).. وأن الحديث عن الديمقراطية وحرية التعبير، أحدث انفتاحاً علي منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية. وأعاد صياغة سياسة ليبيا الخارجية فيما
يخص علاقاتها مع الوليات المتحدة والاتحاد الأوروبي.. وكل هذه التحركات ساهمت بشكل
يجابي في تحسين صورة النظام الليبي.. ورفعه من علي قوائم الدول الراعية للإرهاب. لكن هناك "حلقة مفقودة" في تسلسل الصعود السياسي لـ "سيف الإسلام"،فجأة خذل من راهنوا عليه باعتباره رمزا للإصلاح والتغيير في ليبيا، وانقلب علي مقولاته السابقة، ودافع لأول مرة عن حركة اللجان الثورية المتشددة والتي تعتبر العمود الفقري للنظام الجماهيري الذي دشنه والده العقيد القذافي اعتبارا من عام 1977!!.
ثم جاء اعتزاله للحياة السياسية، ليزيد اللغر تعقيدا!!. هل إعلان "الاعتزال" خطوة تكتيكية، تضفي شرعية- "شعبية" علي عملية توريث الحكم؟.
لقد طالب "سيف الإسلام" باستحداث دستور ثابت لليبيا، لكن بالعودة إلي تاريخه من التصريحات النارية، لابد أن نتذكر أنه غادر ليبيا عقب وصف للنظام السياسي بأنه ليس ديموقراطيا.. ولم تكن مصادفة أن
يحث الزعيم "القذافي" مناصريه،(في خطاب ألقاه بمناسبة مرور 37 عاما علي توليه السلطة) علي قتل الأعداء إذا طلبوا تغييرا سياسيا!!.
ليس بيننا من يجرؤ علي التنبؤ بوجود خلاف في الرؤي بين قائد الثورة الليبية ونجله المرشح لخلافته في الحكم؟. وليس هناك خلاف (مهما اشتد)
يمكن أن يمحو حلم "السلطة" من رأس "المهندس" الذي قرر العودة لبناء مجتمع مدني قوي!!. لكن الشواهد تشير إلي أن انسحاب "سيف الإسلام" من الدوائر السياسية مجرد "تمرد" علي الطبيعة البشرية، أو محاولة لقياس نبض الشعب الليبي تجاه ملف "التوريث". هو نفسه القائل: (إن الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا إما ديكتاتورية أو وراثية).. فهل انتهي دوره بتلميع صورة ليبيا في الخارج؟، أم أن الحرس القديم
يعرقل مشروعه الإصلاحي لبناء ليبيا من الداخل؟.
يا ما كانت الأجوبة، فقد دخل "سيف الإسلام" الخريطة السياسية بإرادته: (في غياب مؤسسات وإطار إداري كنت اضطر إلي التدخل).. وقرر التفرغ (لتنمية المجتمع المدني) بإرادته
يضا.. حتي لو كانت إرادته تلقي قبولا شعبيا، فقراراته ملك يمينه، يستعيد صلاحياته (وأكثر) إذا ما قرر!!. لكنه فضح سيناريو "التوريث"، ليتوج لحظة الاعتزال!.
أحرج الجميع -دون استثناء- بعد أن ضاعت ملامح النظم الجمهورية بآليات النظم الملكية.. أحرج شعوبا لا تصدق عبارات النفي، ورجالا
يستخدمون النفي للإثبات!.
ليس في مصر الآن إلا رجال يصفقون لأمين لجنة السياسات "جمال مبارك"، كلما ردد أنه لا
يطمح لحكم البلاد!. وهم أنفسهم أول من يتهيأ لعهد ولية "جمال".. لم يعد "جمال" مشروع "وريث" لأنه
يحكم البلاد بالفعل، يسيطر علي الحياة الاقتصادية، ويهيمن علي المستقبل بالمادة (76) من الدستور، ورجاله
يضمون الأغلبية في الحزب والمجالس المحلية.. وخلافه!!. ولم تتبق إلا مسرحية "الانتخابات" ذرا للرماد في العيون!.
الغريب أن "سيف الإسلام" لن يشعر بأدني حرج إذا تراجع عن قرار الاعتزال.. الفارق ببساطة بين الوريثين: ("سيف الإسلام" صاحب مشروع إصلاحي.. و"جمال مبارك" صاحب "لجنة السياسات" وبعض رجالها من أباطرة الاحتكار وملوك تسقيع الأراضي)!!.
"سيف الإسلام" يتطلع لدستور يحمي البلاد.. أما "جمال مبارك" فلديه دستور علي مقاس طموحاته.. وكلنا في الهم عرب!!.
|