| عندما فتح أنور السادات مدد حكم رئيس الجمهورية بلا حدود في الدستور لم يكن قد أكمل مدته الثانية.. لكنه.. كان ينظر إلي المستقبل بثقة مذهلة في الخلود الذي يتمتع به الفرعون الإله.. لكن.. ذلك الخلود لم يدم.. وذلك المستقبل لم يأت.. وجاءت رصاصات الغضب القاتلة في حادث المنصة لتحرمه من الحياة قبل الحكم.
لقد فصل أنور السادات حلية لم يرتدها.. وبني بيتا لم يسكنه.. ومهد طريقا لغيره.. فالحذر لا يمنع القدر.. ومشيئة السماء تسخر كثيرا من تدابير أهل الأرض مهما كانت محكمة لا يخر منها الماء.
ولو كانت مادة واحدة غيرها أنور السادات بجرة قلم سببت لنا كل هذا الألم فماذا ستفعل بنا كل هذه المواد التي يجري تغييرها وتفصيلها علي طريقة سوق الخضار.. بالجملة ؟.
لقد جاءت التعديلات (أو التفصيلات) الدستورية في صياغتها النهائية التي أقرتها اللجنة التشريعية في مجلس الشعب صادمة.. خانقة.. تحرم المصريين من مكاسب سياسية.. تاريخية.. تعبوا طويلا في الوصول إليها.. وتضاعف من سطوة السلطة التنفيذية وتجبرها وانفرادها بالحكم دون حساب أو عقاب.
إن الأنياب التي زرعها أنور السادات في الديمقراطية قد انتقلت إلي النصوص الدستورية الجديدة.. فاصبحت كل الإجراءات والتصرفات والقرارات غير الدستورية.. دستورية.. لم يعد ممكنا وصف التعسف السياسي بأنه غير دستوري.. فقد أصبح دستوريا.. ولم يعد ممكنا اللجوء إلي المحكمة الدستورية العليا للطعن في القوانين والتصرفات الرسمية.. فكل شيء غير طبيعي أصبح بعد التعديلات الدستورية طبيعيا.
لقد قضت هذه التعديلات علي فرص جماعة الإخوان المسلمين في الظهور الرسمي علي سطح الحياة السياسية بعد أن نصت المادة الخامسة من الدستور المعدل بعدم جواز مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب سياسية علي أية مرجعية أو أساس ديني أو بناء علي تفرقة بسبب الجنس أو الأصل.
ولم يعد متاحا الطعن بعدم دستورية قانون الانتخاب بالقائمة بعد أن أباحت تعديلات المادة 62 جواز الجمع بين النظام الفردي ونظام القوائم الحزبية بأية نسبة بينهما.. وهي تعديلات المادة نفسها التي نصت علي وجود حد أدني لمشاركة المرأة.. وهو تحصين دستوري يمنع الطعن ضده بعدم المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات.
وحرمت التعديلات الجديدة المستقلين تماما من الترشيح لرئاسة الجمهورية فلابد من حصول المرشح علي ثلاثة في المائة (بدلا من خمسة في المائة) من موافقة أعضاء مجلسي الشعب والشوري أو أن يكون عضوا في إحدي الهيئات العليا لحزب قائم له مقعد واحد علي الأقل في مجلس الشعب.
وجعلت هذه التعديلات اختيار نائب أو أكثر للرئيس أمرا اختياريا بعد أن كان إجباريا.. فقد كانت المادة 82 تنص علي أن يتولي النائب مسئولية الرئيس إذا قام مانع مؤقت يحول دون مباشرة الرئيس لاختصاصاته.. لكن.. التعديل منح هذا الحق لرئيس مجلس الوزراء في حالة عدم وجود نائب.. إن التعديلات فتحت باب الاختيار للرئيس كي يحل محله النائب أو رئيس الحكومة.. وهو ما يعني أن النائب لم يعد ضرورة دستورية.
وبالدستور لم يعد الإشراف القضائي بصورته القديمة (قاض علي كل صندوق) ملزما فكل ما هو مطلوب الآن بعد التعديلات الدستورية هو وجود لجنة عليا تشرف علي الانتخابات يعيَّن أعضاؤها من بين القضاة الحاليين والسابقين.
وحسب الدستور القديم كان من الضروري أخذ رأي المجلس الأعلي للهيئات القضائية في مشروعات القوانين التي تنظم شئون الهيئات القضائية.. لكن.. هذا النص جري شطبه عند تعديل المادة 173 التي كانت تنص علي ذلك.. وهو نوع من العقاب للقضاة بعد أن خرجوا عن طوع الدولة في الأحداث الأخيرة الشهيرة.
ولن تكون هناك حالة طوارئ بعد تحصين قانون مكافحة الإرهاب وهو القانون الذي سيبيح للسلطة التنفيذية كل ما كانت تبيحه لها حالة الطوارئ.. لكن الفرق أن القانون الجديد دائم ومستمر وحالة الطوارئ السابقة مؤقتة مهما طالت.. ومهما كان الكلام عن الرقابة القضائية فإن السلطة التنفيذية يمكن أن تتجاوز الحدود بدعوي مكافحة الإرهاب وتقوم بكل ما كانت تقوم به من اعتقالات وتنصت وقبض عشوائي وغيرها.
ولو كانت المحاكمات العسكرية للمدنيين يجري الطعن عليها لعدم دستوريتها فإنها أصبحت بنص المادة 179 دستورية.. فلرئيس الجمهورية حسب نص هذه المادة " أن يحيل أية جريمة من جرائم الإرهاب إلي أية جهة قضاء منصوص عليها في الدستور أو القانون ".. وهو صك شرعية للمحاكمات العسكرية لم يكن موجودا في الدستور من قبل.
إن التفصيلات الدستورية جاءت ضيقة جدا وقاصرة جدا.. لو غطت الصدر كشفت الساقين.. ولو غطت الساقين كشفت الصدر.. وفي كل الأحوال كانت عوراتها مفضوحة.. غير مستورة.. لكن.. لو كانت التفصيلات علي بترون شخص واحد.. او حالة واحدة.. فمن يضمن أن تصل إليه وحده ؟.. من يضمن ألا تكون من نصيب غيره يستفيد منها ويستخدمها في البطش والإرهاب.. لقد حدث ذلك من قبل وليس هناك ما يمنع من أن تحدث فيما بعد ؟.. واقرأوا التاريخ ولو دون اتقان ستكتشفوا أن الحذر لا يغني أبدا عن مشيئة القدر. < |