| كما لكل إنسان عقل يفكر وجسد ينفذ وأطراف تتحرك في كل اتجاه قد تكون أحيانا حركاتها سليمة أو خاطئة فتوقع الإنسان
في مأزق أو تنجيه، أفلام السينما يضا كالبشر لابد أن يكون لديها عقل يفكر ويدبر وجسد
ينفذ وأطراف تتحرك.
ومن المفترض أن السيناريو هو عقل الفيلم الذي يصنع له الخطوات التي يسير عليها الجسد فإن صلح العقل صلح الجسد والعكس صحيح. لكن هناك عشرات من الحالات المختلفة بينهما.. تلك مقدمة لم أقصد السفسطة ولكني أكاد الخص بها رؤيتي لفيلم «جوبا»
الذي يعرض حاليا وكتبه د. محمد رفعت وأخرجه الشاب أحمد سمير فرج في أول أعماله وقام ببطولته مصطفي شعبان وداليا البحيري.
عقل الفيلم أو كاتبه يحكي لنا قصة مصور صحفي خرج من مصر إلي تركيا لأنه حاول أن يفضح الفساد فلم
يجد له عيشا في بلده فذهب إلي بلد آخر ليصبح مصور باباراتزي يصور فضائح الناس
في مقابل مدفوع من أعدائهم ويبدأ الفيلم بمطاردة هذا المصور من قبل بودي جارد لشخصية مهمة ويستطيع المصور أن
يفلت منهم وكأنه أكثر منهم ممارسة لمهنتهم فلا نحن كمشاهدين نفهم بدية هل هو
بودي جارد وقاتل محترف أم مصور ولكن عقل الفيلم يريد أن يقدم لنا بطلا يجري وينتصر فيقدمه هكذا دون تبرير
منطقي.. ونجد بعد ذلك أن البطل مطلوب منه متابعة وتصوير فتاة مصرية تعيش في تركيا نعرف أن أمها مصرية وأباها فلسطيني ولا نعرف لماذا تحيا
في تركيا تماما كحالة البطل، وفجأة تتطور الأحداث لنجد أنفسنا في مواجهة إسرائيل وفلسطين والانتفاضة وتهريب الأسلحة للمقاومة وخيانة وموت ومطاردات، ولو سألت نفسك كمشاهد سؤالا واحدا منطقيا
في وسط الأحداث لتوقفت عن المشاهدة لأنك لن تجد إجابة غير أن عقل الفيلم أو السيناريو مشوشا لا
يعرف كيف يحكي لك ولا ماذا يحكي لك.
مأزق جوبا الأول هو السيناريو أو د. محمد رفعت كاتبه الذي تقول كل تجاربه السابقة إنه طبيب أطفال بالتأكيد أفضل منه ككاتب سيناريو أو تقول إنه
يكتب بمنطق أنه يحكي لأطفال وإن كان أطفال هذا الزمان قد تعدوا منطق حكيات الشاطر حسن والغولة.
وقد يتصور أحد أني متحاملة علي الكاتب في فن، المخرج فيه هو ميسترو العمل، لكن في حالة جوبا المخرج شاب
يقف لأول مرة خلف الكاميرا مما يجعلني وغيري نقبل منه أخطاء العمل الأول فالمستقبل مازال أمام أحمد سمير فرج لكي
يتجاوز أخطاء عقل فيلم جوبا وإن أراد المخرج في بعض المشاهد أن يبرز عضلاته دون حاجة إلي ذلك في مشاهد فاست موشن أو سلو موشن slow-fastmotion ولكني أعود ثانية لمنطق أن المخرج في المعتاد مقبول منه التجاوز في أول عمل من أجل أن
يضع اسمه علي خريطة السينما وإن كان هناك بعض الاستثناءات حين يكون العمل الأول للمخرج هو الأفضل في تاريخه ولكني أزعم أن مخرج جوبا لن
يقع في دائرة هذا الاستثناء.
بطل فيلم جوبا مصطفي شعبان ممثل في مأزق لأنه يريد أن يدشن اسمه بطلا وقد جرب الكوميديا في بدياته في فيلم «خلي الدماغ صاحي» ولم تفلح تجربته ثم وضع نفسه أو وضعه بعض صناع السينما في دور الجان ولكن بمواصفات لا تنطبق عليه تماما أو لم
يتقبلها مجموع المشاهدين فلا هو أحمد عز ولا هو أحمد السقا ولكنهم ظلوا يراهنون عليه فيلما بعد الآخر ليلعب في منطقة وسط لا تحوي مضمونا
يؤيدها ومن الغريب أن يكون أفضل أدوار مصطفي شعبان التي يذكرها الجمهور والنقاد معا هو دوره في فيلم مافيا الذي لم
يكن هو الاسم الأكبر فيه ولو وعي شعبان الدرس لعرف أن القيمة تكمن عند بعض الممثلين أحيانا في دور جيد مكتوب بشكل منطقي في فيلم جيد مما سيصنع منه نجما دون حاجة لعضلات مفرودة كاذبة.
داليا البحيري ممثلة جيدة ولكنها تلعب في دائرة المتاح لها كامرأة في سينما أغلب أبطالها رجال فهل تملك إلا أن تقبل المتاح بأقل قدر من الخسائر؟!
غسان مسعود الممثل السوري الذي شارك في أفلام عالمية لم يضف للفيلم قيمة ولكن للأسف انتقص من قيمته لدينا فاللعب مع الصغار
يضعف الكبار وليس العكس كما حدث مع غسان.
في السينما تنبع الكوميديا الراقية أحيانا من مواقف تبدو شديدة الجدية تحولها الظروف لمواقف طريفة، ولكن حين
يدعي فيلم جوبا أنه يتكلم عن قضية شديدة الجدية مثل القضية الفلسطينية ويعالج الأمر بهذه السطحية
يتحول الأمر إلي ي شيء بعيد عن الطرافة.. وحين اسمع بأذني كاتب السيناريو محمد رفعت في ندوة
يبرر ذلك بأن رواد السينما وأغلبهم أطفال وشبان لابد أن نعرفهم القضية بأسلوب بسيط لأنهم لم
يعيشوها، فلا أجد أمامي إلا أن أقول له عفوا إن رواد السينما ليسوا أطفال البامبرز وهم
يعرفون ويشاهدون كل ساعة نشرات أخبار تحكي عن هذه القضية بشكل أكثر فهما وعمقا وقيمة مما قدمته لبطلك وللمشاهدين.
|