| هذه قضية سيئة السمعة، كريهة الرائحة، المتورطون فيها كبار، لكن من قال إن الكبار لا يتساقطون علي هوامش تفاهات الأمور، أعرف مدي صلابة شخصية عمرو موسي الأمين العام لجامعة الدول العربية، وأعرف الدور الثقافي الكبير والهائل الذي قامت به الشاعرة والأديبة الإماراتية ظبية خميس، كما أعرف دورها الدبلوماسي، لكن ما لا أتوقعه أن تصل العلاقة بينهما إلي تبادل الاتهامات بشكل مهين للطرفين.
الاتهام الأسوأ هو ما صرحت به ظبية للعديد من المواقع الإلكترونية، من أن عمرو موسي حرض حارسه الشخصي ليتحرش بها جنسيا، وأنه نقلها نقلا تعسفيا من وظيفتها حيث كانت مديرة إدارة بالجامعة العربية إلي إدارة شئون الأفراد دون أي مسمي وظيفي.
الموقف به كثير من الغموض، لكن الحكاية تستحق أن تروي من بدايتها.
ولدت ظبية خميس في دبي العام 1958، حصلت علي بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة إنديانا عام 1980، وما بين جامعتي إكستر بلندن والجامعة الأمريكية بالقاهرة أكملت دراساتها العليا، عملت في البداية نائبة مدير بإدارة التخطيط بأبو ظبي، وأشرفت علي البرامج الثقافية في تليفزيون دبي، ثم عينت دبلوماسية في جامعة الدول العربية، حتي أصبحت مديرة إدارة.
أثناء صعودها الوظيفي لم تنقطع ظبية خميس عن إبداعها، فقد عملت بالتوازي مع وظائفها الإدارية في العديد من المجلات والصحف العربية، وأصدرت مجموعة من الكتب ما بين ترجمات ودراسات أدبية ومجموعات قصصية ودواوين شعرية من بينها قصائد حب، وخطوة فوق الأرض، وأنا المرأة الأرض كل الضلوع، وصبابات المهرة العمانية.
لظبية خميس مدونة علي الإنترنت وصفحة علي الفيس بوك، ومن هنا كانت الأزمة، كتبت عرضا موسعا لكتاب "جامعة الدول العربية...ماذا بقي منها؟" لمؤلفته كوكب نجيب الريس، التي كانت دبلوماسية في جامعة الدول العربية، لكنها تقاعدت في صيف العام 2009، وبعد شهور قليلة صدر الكتاب.
كوكب ركزت في كتابها - من ثمانية فصول - علي سلبيات رأتها في عمرو موسي، منها ما قالته مثلا في الفصل الأول، من أن تفضيلات الأمين العام في العمل للمصريين، وأنه ينظر إلي العاملين في الجامعة العربية نظرة دونية تظهر في تصريحاته، وفي الفصل السادس ينصرف الهجوم إلي عصمت عبد المجيد إلي جوار عمرو موسي تقول نصا: نصب عصمت عبد المجيد وعمرو موسي نفسيهما أمينين عامين فقط للدفاع عن حقوق الكوادر المصرية، في وجه مرشحي الدول العربية الأخري الذين وصفهم عبد المجيد بأنهم تنابلة السلطان، في مقابلة أجراها معه الإعلامي عرفان نظام الدين في محطة "الإم بي سي" الفضائية، عندما كان أمينا عاما في التسعينيات، كما أن عمرو موسي عقد مؤتمرا صحفيا بعد أن تسلم منصبه في 2001، قال فيه:إن مقر الأمانة العامة للجامعة العربية في القاهرة ليس جراجا، في إشارة منه إلي الكوادر غير المصريين، ولم يكتف بذلك بل وصف هؤلاء الكوادر بالضعف كما وكيفا في قمة تونس 2004.
التقطت ظبية خميس كتاب كوكب الريس، وعالجت ما فيه علي طريقتها في مقال نشرته علي صفحتها علي "الفيس بوك"، عنوانه"كوكب الريس تفتح جرح جامعة الدول العربية.
بدأت ظبية مقالها بقولها:"دائما الحديث عن دور الجامعة العربية في الحياة السياسية، لا أحد يتطرق لما يحدث داخل هذه المؤسسة، كيف تتم إدارتها، ما هو وضع أولئك المغتربين من دولهم فيها وكم من التخبط والانحيازات التي يتعرضون لها".
ولذلك استندت ظبية علي كتف كوكب التي عملت في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في تونس أولا، والقاهرة ثانيا، وقد قررت ثانيا أن تتحدث ولو بالإشارة والتوثيق لأروقة الجامعة العربية في الداخل، والمعاناة التي عاشها ويعيشها الكثير من موظفي الجامعة العربية ممن لا يوافق هوي إدارتها - وما أكثرهم -.
اطمأنت ظبية خميس إلي تجربة كوكب الريس لأنها - كما قالت - عانت كثيرا في أروقة الجامعة وحرمت الكثير من حقوقها الوظيفية داخل المؤسسة ومن التحيز وعدم العدالة في التعامل مع عدد كبير من موظفي الجامعة العربية.
لقد بدا من مقال ظبية خميس أنها عانت هي الأخري، ولذلك ركزت علي معاناة كوكب، نقلت عنها ما قالته مشيرة إلي عمرو موسي تقول:"تفاقم الحال مع ما سمي بعهد إعادة الهيكلة حيث تم تجميد عدد كبير من قدماء موظفي الجامعة، وإزاحتهم من إداراتهم والإلقاء بهم إلي إدارة وهمية اسمها إدارة البحوث والدراسات خارج مبني المقر في التحرير وداخل حي هادئ يتثاءب في المعادي، إدارة لا علاقة لها بالبحث ولا الدراسة إلا بالاسم حوت ضمن ما حوت مديري إدارات ذوي خبرة طويلة معظمهم كانوا ممن عملوا في تونس سابقا، وأغلبهم من شتي الجنسيات العربية".
كانت كوكب الريس من بين من تم ركنهم في إدارة المعادي منذ عام 2002، وكما تقول ظبية: تقدمت بطلبات كثيرة لتلتحق ببعثات خارجية دون استجابة في الوقت الذي كانت خبرتها وعمرها الوظيفي، ومعرفتها بثلاث لغات الفرنسية والإنجليزية والعربية، وهو ما يؤهلها لرئاسة بعثة، لكن الجامعة العربية وإدارتها فضلت الاستعانة ببعض متقاعديها وبعض متقاعدي وزارات الخارجية العرب لرئاسة البعثات الخارجية، حارمة موظفيها من هذه الخبرة السياسية والمنصب الذي يحق لهم، بل إن الجامعة درجت في السنوات الأخيرة - علي عهد عمرو موسي - إرسال درجات لم تتجاوز سكرتير ثاني أو ثالث وبعض المتقاعدين لملء الأماكن الشاغرة في تلك البعثات بدلا من الوزراء المفوضين في الجامعة.
في اعتقادي أن كتاب كوكب الريس لم يكن هو الأساس لدي ظبية خميس، فقد أخذت منه منصة لإطلاق الصواريخ علي رأس عمرو موسي، تقول إن كوكب الريس تقاعدت في 2009، وكتبت كتابها "جامعة الدول العربية وما بقي منها" خلال العامين الأخيرين، وقد نشرته ووثقته بآراء موثقة تسرد حال الجامعة العربية وتطرح أسئلة وانتقادات لابد من الإجابة فيها في يوم ما والتنبه لأهميتها في الداخل والخارج.
لكنها تقول من عندها متجاوزة كتاب كوكب:"مما لا شك فيه أن أعمارا لبشر تغربوا وعاشوا أحلامهم وانكساراتهم داخل هذه المؤسسة ملاحقين بخيبة العمل العربي المشترك في الداخل والخارج، ومطاردين بأوضاع تدعو للسقوط موتا من شدة الضغوط النفسية، فجأة كما حدث حديثا مع العراقي نافع مطلوب، والمصري شكري سعد، والصومالي عمر شعيب، والأردني عمر خريس، والسوداني أسامة الفولي، والسوداني علي أحمد عباس وحسن النور، والأردني مشعل القاضي، والفلسطيني حسين الصباح، والسوري صخر بكار.
فهؤلاء معظمهم - كما تقول ظبية خميس في مقالها الأزمة - لم يكونوا قد تجاوز الأربعين أو الخمسين من عمرهم يسقطون فجأة موتي، وهم لم يصلوا بعد إلي درجاتهم الوظيفية المتأخرة، والبعض فضل الاستقالة المبكرة كما حدث مع بعض الإماراتيين والكويتيين والجزائريين مفضلين ألا يقضوا أعمارهم في ردهات إدارات بعضها مفرغ تماما من توصيف مهامه ومصائر ينتاب الكثير منها الاكتئاب والغضب لموظفين لا يتم إشراكهم لا في المهام الداخلية أو الخارجية أو الوظيفية في حين أن حفنة من الموظفين والمتعاقدين يجوبون الكرة الأرضية في مهام لا تنتهي.
حتي هذه الدرجة يبدو المقال وكأنه تصفية حسابات ليس إلا، وما يؤكد ذلك أن عمرو موسي حوّل ظبية خميس إلي لجنة تحقيق في الجامعة العربية، فقد اعتبر أن ما قامت به في مقالها ليس نقدا ولكنه نوع من التشهير بالجامعة.
في البداية رأت ظبية خميس أن التحقيق معها ما هو إلا نوع من الإرهاب الفكري والوظيفي، لكن يبدو أن الأمور تصاعدت للدرجة التي اتهمت فيها عمرو موسي بأنه حرض حارسه الخاص ليتحرش بها جنسيا، وهي تهمة مهينة لمن حرض عليها ولمن تلقاها، لكن علي ما يبدو أن ظبية خميس قررت أن تخلص حقها مرة واحدة من عمرو موسي، ففي سراديب الجامعة ما لا نعرفه.
لقد أرادت ظبية أن تنتقم من عمرو موسي وهو ما يتضح من تفاصيل الرسالة التي أرسلت بها إلي جريدة الأزمة الإلكترونية، قالت فيها:"عين عمرو موسي حارسه الشخصي دبلوماسياً في المراسم مهمته التنكيل بالنساء العربيات داخل الجامعة العربية، وقد سلط علي رقاب الدبلوماسيين العرب طاقما من أعوانه وحرسه الذين جلبهم معه وهو الذي شتمهم في الصحف حينما جاء غازيا مقر الجامعة وناعتا إياهم بالكراج والمتخلفين والجهلة وكأنه يمن عليهم بمنصبه الجديد.
وحتي تؤكد ظبية تشهيرها بموسي تقول:"لقد أزاحني موسي من منصبي كمديرة إدارة إلي إلحاقي بمسمي وظيفي تابع لإدارة شئون الأفراد دون توصيف وظيفي، كما أحالني إلي لجنة تحقيق غير نظامية قام مديرها بالتجسس علي مراسلاتي الشخصية والفيس بوك تفتيشا عن تهمة، وقد سلط موسي أعوانه علي ومنهم حارسه الشخصي المفصول من الداخلية، والذي عينه في المراسم حيث عطل أعمالي، وعند مناقشته تعدي علي بالسب والقذف وشتم والدتي".
من جانبه لم يرد عمرو موسي علي ما قالته ظبية، التي أعتقد أن هدفها كان التشهير أكثر من أي شيء آخر، كان يمكنها أن تذهب إلي مكتب النائب العام وتتقدم ببلاغ رسمي ضد عمرو موسي وحارسه بتهمة التحرش، لكنها لم تفعل ذلك واختارت أن تكون الحرب إعلامية.
إننا أمام اتهامات مخجلة في بيت الدبلوماسية العربي، وبين أطراف نكن لهم كل احترام، فظبية خميس قامة ثقافية وسياسية كبيرة، وكذلك عمرو موسي، والخلاف الآن ليس ثنائيا بينهما، لكنه أصبح ملكاً للرأي العام، وعليه فلابد أن يتحدث عمرو موسي، قبل أن يتحول الاتهام إلي نار تلاحق ثوبه، وعلي ظبية خميس أن تذهب إلي مكتب النائب العام إن كانت صادقة فيما تقوله، لأن اتهاماتها حتي الآن طائشة ولا تدل إلا علي روح انتقامية ننأي بشاعريتها عنها.
|