| في ذلك الوقت بدت مصر كامرأة متعبة من شدة التدريب العسكري.. قميصها معقود الأكمام تركت عليه بندقية الميدان بقعا من الزيت.. أطهر من زيت المعابد .. لباسها الكاكي معجون بذرات التراب وسنون الشوك ورائحة الأرض الطيبة.. ملامحها بدت حزينة كقمر مخنوق من كثافة السحب.. لكنه.. كان واثقا أنه سيخرج من الحصار مضيئا.. شفافا.
لم تهدأ أعصابها إلا بعد أن جهزت خط الدفاع الأول غرب قناة السويس بعد أن كان مكشوفا للعدو.. فاتحا الطريق أمامه لدخول القاهرة.. وبجهد خارق ظل جمال عبد الناصر يعمل يوميا ما بين 16 و18 ساعة.. يتابع شئون الجيش.. ويواصل مشوار التنمية.. ويدير السياسة الخارجية.
وضعت الخطة" 2000" الشاملة كل نواحي الحياة في مصر تحت أمر المعركة.. فحرب التحرير القادمة حرب أمة بأسرها.
لكن.. داخل القيادات العليا للجيش بدت خلافات واضحة.. وصارخة.. رفعها مسئول سلاح الطيران الأول الفريق مدكور أبوالعز إلي جمال عبد الناصر في أولي مذكراته السرية التي وضعها عن حالة الطائرات والمطارات والطيارين والمعدات الفنية ووسائل الدفاع الجوي.
كان تنظيم القوات المسلحة يتكون من القائد العام (محمد فوزي) ورئيس هيئة الأركان (عبد المنعم رياض) بجانب مساعد القائد العام وعدة هيئات تسمي بأجهزة القيادة.. ووجد قائد الطيران في ذلك التنظيم عيوبا لخصها في مذكرته :
(1) إن جهاز القيادة جهاز ضخم يتولي إدارة القوات المسلحة بجميع فروعها وأسلحتها بمركزية مطلقة تفقد القائد العام سيطرته المطلقة عليها.
(2) يسلب التنظيم القوات الجوية حقها في حرية الحركة لتتحمل مسئولياتها.. وتشغل القائد العام بتفاصيل تؤثر تأثيرا بالغا علي مهامه.
(3) جمع القائد العام بين مهامه العليا وقيادة القوات البرية جعل هذه القوات تسيطر علي كل أسلحة وفروع القوات المسلحة وهو ما قيد حركة القوات الجوية وعطلها عن تنفيذ مهامها الرئيسية والحيوية.
(4) هناك تداخل بين صلاحيات القائد العام ورئيس الأركان تفرض الاستغناء عن واحد منهما.
واقترح مدكور أبو العز تنظيما جديدا وصفه بالمثالية :
(1) تشكيل قيادة القوات البرية أمر ضروري حتي لا يكون جهازها هو جهاز القيادة العامة للقوات المسلحة ولا تقود القوات البرية والبحرية والجوية باسم القيادة العامة.
(2) يجب أن يتيح جهاز القيادة العامة الفرصة كاملة للقائد العام بالسيطرة الكاملة علي الأفرع والأسلحة الرئيسية دون إغراقه في تفاصيل لا يجب أن يضيع وقته فيها.
(3) أما القائد العام ويعمل تحت قيادته أفرع القوات الثلاث وإما رئيس الأركان ويعمل تحت قيادته الأفرع الثلاثة أما الاثنان معا فهذا وضع غريب.. والأغرب منه وضع مساعد القائد العام الذي دخل هو الثالث علي الخط. في ذلك الوقت كانت إسرائيل تهدد بضربات في العمق.. ويمكنها أن تصل بطائراتها إلي أطراف البلاد في أسوان ومرسي مطروح.. وكان أهم من تجهيز الطائرات المهاجمة توفير أجهزة الدفاع الجوي الذي كان تحت قيادة الطيران ولم يكن قد انفصل عنها.
حسب مذكرة مدكور أبوالعز فإن عناصر الدفاع الجوي الرئيسية ــ وهي أجهزة الإنذار والطائرات المقاتلات والصواريخ الأرضية والمدفعية المضادة للطائرات ــ بجانب" المواصلات الإشارية" كان بها نقص واضح.
لم يكن في مصر قبل 5 يونيه سوي 58 جهاز إنذار دمر أغلبها وفي شهور قليلة جري تعويض 43 منها.. وبسبب النقص فيها وزعت علي المناطق المهمة.. قبل إضافة 44 جهازا فيما بعد.
وكان عدد أسراب المقاتلات قبل 5 يونيه 12 سربا للميج والسوخوي بمختلف الطرز وأصبح العدد 11 سربا في شهرين بعد تعويض ما فقد.
وقبل يونيه كان عدد كتائب النيران والمدفعية المضادة للطائرات 81 كتيبة لم يبق منها سوي 62 كتيبة وسرية.. وكان لابد من الإسراع بتعويض تلك الخسائر لتشمل الدفاع عن الأهداف الحيوية في البلاد.
وكانت الصواريخ الموجودة من الأنواع القديمة التي لا تصلح للاشتباك مع طائرات العدو.. وإن كانت جميع أنواع المدافع من الأنواع المؤثرة ذات القدرة العالية علي الاشتباك.. لكن.. المشكلة كانت في عجز الأفراد بنسبة 25 % بالنسبة للضباط.. وبنسبة 43 % للمساعدين.. وبنسبة مائة في المائة للفنيين والمهنيين.
ومنذ أن عرفت مصر الدفاع الجوي لم ينشأ مركز واحد للقيادة أو لإدارة العمليات علي أساس يصلح لهذا الغرض.." وكان المتبع استخدام أي مبني خال يمكن الحصول عليه لأداء هذا الغرض".
لكن.. بعد الحرب" شرعت القوات الجوية في بناء مبنيين بكل من المنطقة المركزية والشرقية ليصلحا كمراكز لعمليات الدفاع الجوي كما أمكن إنشاء مراكز للعمليات بالقوات الجوية لتكون مراكز مناسبة لإدارة الألوية الجوية".
وكانت جميع هذه المراكز تنقصها الوسائل المستحدثة في نقل المعلومات وما كان تحت أيدينا لم يتجاوز مرحلة البدائية.." وعلي هذا فإننا نفتقد النواقل الاليكترونية التي تخدم مراكز العمليات.. كما أن إدخال النظام الآلي في الدفاع الجوي لاستخدام الحواسب الاليكترونية في الإنذار والتوجيه أمر لا مفر منه".
وحددت خطة قائد الطيران كيفية صد الضربات الجوية المركزة والمفاجئة من العدو.. ومدي قدرة عناصر الدفاع الجوي علي صد هجوم ليلي مفاجئ.. ووسائل حماية الأهداف المدنية من الطائرات الإسرائيلية.. ورشحت قائمة تضم الأولويات المتوقع ضربها.
وانتهت المذكرة السرية إلي توصيات واقتراحات لا نهاية لها جري الأخذ بها فيما بعد وكانت سببا في المفاجأة الجوية التي بدأت بها حرب أكتوبر.. فلم يكن الأمر مجرد قرار من رئيس بإشعال النيران وإنما سبق ذلك جهد نصف مليون جندي من مختلف الأسلحة قضوا أحلي سنوات عمرهم في التدريب والتعلم حتي أصبحوا جاهزين.. إنها معجزة أمة بأسرها.
وفي الوقت الذي كانت القوات المسلحة تسعي فيه لتحرير الأرض ارتفعت أصوات عالية تطالب بتحرير المواطن من قهر أجهزة الأمن الخفية والعلنية.. والملفت للنظر أن ذلك المطلب خرج من قلب النظام قبل أن يأتي من بطن الشارع.. وفي الملفات السرية التي وضعت علي مكتب جمال عبد الناصر في ذلك الوقت أوراق بخط يد زكريا محيي الدين نائب الرئيس والرجل الذي رشح لتولي الرئاسة بعد خطاب التنحي الشهير.
فكتب "الملاحظات المرفقة كتبتها في صباح 23 يوليو 1967 ــ زكريا".. أي كتبها في أول عيد للثورة بعد هزيمة يونيه.
وتحت عنوان فرعي تحته خط عن تدعيم الجبهة الشعبية كتب: "حتي تكون أكثر صلابة لمواجهة الظروف العسكرية والخارجية الراهنة التي تحتاج إلي النضال بشقيه السياسي والعسكري يجب أن نحلل طبيعة الرأي العام في هذه المرحلة وما يصدر عنه من أفكار وانتقادات وشكاوي.. ولا يصح أن نأخذها كلها علي أنها مغرضة ولها دوافع غير مخلصة لأن الذين يتحدثون هم الذين اظهروا شعورهم الحقيقي وتلقائيا يوم 9 يونيه (رفضا لتنحي الرئيس).
كانت الانتقادات الغاضبة للنظام قد تزايدت وتكاثفت وأخذت أشكالا مختلفة.. شائعات.. نكات.. قصائد.. تكهنات.. وسرد وقائع عن تجاوزات أجهزة الأمن المختلفة بدعوي مواجهة أعداء الثورة.
خرج نائب الرئيس ووزير الداخلية الأسبق ورجل الأمن القومي بأمور وجد ان من المناسب التركيز عليها :
(1) إن" أمن الفرد والشعور بأخطاء تقع فيها أجهزة الأمن تعكس شعورا بالقلق لدي الآخرين.. وليس هناك اعتراض علي إجراءات الأمن التي تهدف إلي تأمين النظام ضد التنظيمات والجماعات المضادة.. ولكن.. المشكلة هنا كيف نوازن بين هذا وذلك؟.. وكيف نعطي الأمان لكل من يريد الإصلاح عن طريق النقد دون أن يشعر بالخوف من إجراءات الأمن أو أي إجراءات إدارية أخري تمس مستقبله فيضطر إلي مسايرة الأمور؟.
وفي الحقيقة.. فإن هذا يمس صميم الديمقراطية التي ننادي بها.. فليس لدينا معارضة.. ولكن.. من واجبنا أن ننظمها ونجادلها حتي تكون بناءة.. لأنها موجودة فعلا.. وفي رأيي إذا لم تتحول هذه التنظيمات المعارضة إلي تنظيمات مترابطة وسرية فإننا يجب أن نتغاضي عن كثير مما يقال (عنها).. وهذه مسألة تتصل بطبيعة الأسلوب المتبع.. وطبيعة الأشخاص القائمين علي تنفيذ هذا الأسلوب وإخلاصهم وإنسانيتهم.
يتصل بهذا مبدأ سيادة القانون.. وذلك موضوع ذكر علي لسان الرئيس في أكثر من مناسبة.. ولا أري داعي للخروج عن القوانين إلا بقوانين معدلة.
(2) وهناك شعور بعدم المشاركة في التفكير وفي تحمل المسئولية وأن الحكم يجب أن يسمح للمنظمات المختلفة في أن تمارس عملها.. ولا تصدر قرارات إلا بعد المناقشة في هذه المنظمات.. وهذا ينطبق علي أقل المستويات.. كمجالس إدارة الشركات.. وغيرها.. أعطي مثلاً عن اهتمامات مجلس إدارة الجامعات.. كان يجتمع مرتين في السنة والآن يجتمع كل أسبوع.
وهذا يدعو للتفكير في السيستم (كتبها باللغة الإنجليزية) الذي نسير عليه ــ بحيث يسمح بالمشاركة الفعلية ــ ولو علي حساب عامل الوقت ــ وها هو الأسلوب الوحيد لتربية قيادات جديدة في المستقبل.
(3)العمل الجدي علي كل المستويات وهذا يحتاج إلي المتابعة والحساب.. ولنحقق ذلك يجب أن نحدد المستويات وبوضوح وألا يغتصب غير المسئولين العمل من المسئولين.
وهذا يقتضي النظر في أسلوب عمل الاتحاد الاشتراكي (التنظيم السياسي الوحيد) ومجال عمله والعلاقة بينه وبين الأجهزة التنفيذية.
(4) التنظيم الشعبي وهو الإطار الذي يسمح فيه بالعمل الشعبي والديمقراطي يحتاج إلي إعادة النظر في طريقة اختيار تنظيماته حتي يكون أكثر التصاقا بالجماهير ولا يتعارض ــ في نفس الوقت ــ مع احتياجات العمل ومطالبه.
(5) الأمن السياسي.. ومدي تأثيره علي الاختيار الصحيح للقيادات في جميع المجالات وكذلك حمايته من الأخطاء والاعوجاج.
ولكن.. هل هذا مطلوب كله في هذه المرحلة؟.. ربما لا تسمح الظروف بذلك.
واعتقد أن الأمر المهم في هذه المرحلة هو وضوح الرؤية أمام الجماهير عن طبيعة المرحلة القادمة.. وما تتطلبه من كفاح.. ثم الإحساس بالعمل الجاد المخلص من قبل القيادات التنفيذية والشعبية لحل المشاكل بسرعة ودفع العمل وتفسير أسباب العقبات التي تقف في الطريق.. واعتقد أنه لن يحل المشكلة أي تنظيمات جديدة تشكل في الوقت الحاضر.
وينتقل زكريا محيي الدين في تلك الوثيقة التي لم يسمع بها أحد من قبل إلي تسجيل ملاحظات سريعة عن أسلوب العمل في الاتحاد الاشتراكي في نقاط محددة منها :
أ ــ ليست هناك فئة مميزة في العمل السياسي إلا عن طريق خدمة الجماهير ومحاولة كسب احترامها.. ولن تقبل الجماهير من أي فئة بأن تظهر بمظهر المعلم والقائد إذا لم يكن لها ماض بطولي معين.. كأن تكون قد خاضت معارك عسكرية أو سياسية معينة.. وهو ما يعطيها هذا التمييز والاحترام.. وإذا فرضت فئة معينة علي الجماهير فلابد أن يحدث التباعد والانفصال النفسي.
ب ــ طبيعة الشعب وميله إلي التسامح والتدين والوحدة الوطنية تعطي الفرصة لحل التناقضات وإذابة الفوارق بالوسائل السلمية.. وإثارة الصراع وزيادة حدته يعطي الفرصة لأفراد أن يتحكموا في أفراد آخرين بعيدا عن سيطرة القانون والعدالة وتحدث أخطاء لا يمكن السيطرة عليها تسيء إلي الحكم وتسمح باتهامات غير مؤكدة تحت ظل شعارات مرفوعة.
ج ــ الرأسمالية الوطنية والمثقفون فئتان من قوي الشعب العاملة.. لماذا نخسرهما؟.. فئتان لهما تطلعات بشرية طبيعية ــ لا أظن أنه سيأتي اليوم الذي تنتهي فيه هذه التطلعات في حدود الدخول القصوي التي يسمح بها المجتمع ــ رأسماليا القول بأن هناك رأسمالياً مستغلا وغير مستغل ومثقفا رجعيا وآخر تقدمياً سيمس بالتالي هاتين الفئتين ويشعرهما بالعزلة أو سيضعهما في ترتيب متأخر علي هامش المجتمع.. أنا افهم أن حددت القوانين حدود الاستغلال وتترك للعدالة عزل المستغلين.. وقد استخدمت هذه المسألة في مناقشات الجامعة الأخيرة في (جريدة) الأهرام في اتهامات متبادلة بالإرهاب الفكري.
د ــ تنظيمات الشباب تحتاج إلي إعادة نظر في اسلوب عملها والسرعة غير الواقعية في زيادة اعدادها أضعف مستوي كفاءة أفرادها.. وإني اعتقد أنه يجب التركيز علي خلق قيادات صالحة للشباب تستطيع مواجهة الصعاب والمعارك وتربي جيلا صالحا وهذا يحتاج إلي مراكز للشباب محدودة العدد ومجهزة بنزبيت ومعلمين أكفاء يخرجون شبابا" جدعان".. وهو ما يتطلب أيضا إعادة النظر في القيادات الحالية".
كان الطريق إلي تحرير الأرض مثل نسيج متين يساهم فيه كل فرد بطريقة أو بأخري ببرامج عمل أتصور أنها لا تزال سارية المفعول حتي اليوم.. لكن.. من يقرأ ومن يسمع؟
|