| لم تكن الإشارة إلي خلافات عائلة الدكتور جمال حمدان حول نشر أوراقه الخاصة موفقة، فهذه الإشارة أفقدت الكتيب الصغير الذي صدر عن دار «عالم الكتب» كثيرا من أهميته.
الكتيب يحمل عنوان "العلامة الدكتور جمال حمدان ولمحات من مذكراته الخاصة"، والتوقيع لشقيقه الدكتور عبد الحميد صالح حمدان، الذي يعيش الآن في باريس، وقد أصدر عدة كتب تحمل تلخيصا لمؤلفات شقيقه وأغلب الظن أنها لم تكن من باب صلة الرحم، ولكن من باب الاستفادة المباشرة منه.
ما كتبه حمدان ونشرته "عالم الكتب" ليس أوراقا خاصة، الروائي الكبير يوسف القعيد أكد لي أن أوراق حمدان الخاصة لا تزال عند أشقائه وقد تحفظوا علي نشرها، وشاركهم القعيد في الرأي.
الكتيب الصغير في الغالب يحمل مجموعة من الأفكار المبدئية، التي يمكن التعامل معها علي أنها كانت أفكارا لكتب ودراسات نوي حمدان أن يتمها، لكن موته المريب حرمه وحرمنا منها، ولو تعاملنا معها بتجرد أكثر، فإننا سنعتبرها نبوءات، وقد تحقق بعضها بالفعل.
هنا لن تسعفنا المساحة لأن نقول كل ما أشار إليه جمال حمدان، لكن علي الأقل يمكن الإشارة إلي نبوءاته بتكثيف شديد، إنه يأسف علي مصر وفي جملة حادة وصادمة يقول «إن مصر تهرب من الحاضر البشع إلي الماضي التليد، فوافرحتاه ..وواكستاه».
الكلام هنا للدكتور جمال حمدان نصا.
البهرة في مصر - القاهرة الفاطمية وشارع الحاكم وجامعه - يريدون أن يكونوا اسفينا شيعيا دائما ومقيما علي غرار العتبات المقدسة في النجف وكربلاء من الفرس الإيرانيين.
يبدو أن الصعيد محكوم عليه جغرافيا بأن يبقي إلي الأبد معقل التخلف والتعصب والرجعية، وقد يصبح يوما ما مهد الفتنة الطائفية التي تنسف وحدة مصر السياحية لأول ولآخر مرة في التاريخ.
لأول مرة في التاريخ يتغير مكان مصر في العالم ومكانتها إلي الأسفل، فتجد نفسها لأول مرة في وضع من العالم لم يسبق من قبل، وهو أنها كيان منكمش في عالم متمدد، إنها كيان متقلص في عالم متوسع، هي تزداد كل يوم ضآلة نسبية وصغرا وضعفا، ولأول مرة تجد نفسها محاطة ومحاصرة بمنافسين وأعداء في جميع المجالات وعلي جميع المستويات بعد أن عاشت آلاف السنين بلا شركاء أو منافسين أو أعداء حقيقيين أنداد ألداء.
مصر سقطت في العالم العربي نهائيا، فقدت الزعامة والقيادة وتحولت من قائدة العرب إلي "قوادة" العرب (إلي مخدع أمريكا وإسرائيل)، كانت بداية نهاية مصر عربيا كامب ديفيد ونهاية النهاية حرب العراق، ثم بعد ذلك طردت نهائيا من الشرق الأوسط لتصبح أفريقية جدا، لا لتقود أو تسيطر، حيث تعد دخيلة طفيلية مرفوضة ومنبوذة بين السود، ولكن لتدافع عن مصيرها المهدد زنجيا، مياه النيل حيث تضرب الآن كمرحلة أولية مثلما ضربت وهزمت في الشمال علي يد إسرائيل وبترول العرب.
مصر فقدت زعامتها في العالم العربي ومكانتها القديمة، كانت مصر زعيمة العرب ماليا وأدبيا، اقتصاديا وسياسيا، ولكن بعد أن فقدت مصر هذه الزعامة، فإننا لا نجد وريثا لها بوضوح، لماذا؟ لأن وراثة مصر كانت أكبر من أي دولة عربية أخري منافسة، والذي حدث أن قسمت وراثة مصر بين دولتين أو أكثر.
الفرق بين مصر وبعض الدول المحيطة أن الأخيرة أصبح عندها "فائض قوة"، يفيض خارج حدودها أطماعا وطموحات، بينما أصبح عند مصر فائض أزمة تغرق بها داخل حدودها، وتلك هي المشكلة.
الذي فعلته مصر مع العالم العربي والشرق الأوسط، بخروجها من الصراع ضد إسرائيل، هو تماما كالذي فعله الاتحاد السوفيتي مع الولايات المتحدة، بخروجه من الصراع وإعلان الاستسلام والعجز (وكل من مصر والاتحاد السوفيتي انتحر).
مشاكل مصر لا حصر لها في الداخل والخارج، ولكن مشكلة واحدة ستحدد مصيرها، وهي نفسها التي حددت مصير عبد الناصر من قبل، فكما قلنا إن عبد الناصر سيبقي أو يسقط علي أساس قضية واحدة هي فلسطين/ إسرائيل، فكذلك ستبقي مصر أو تسقط إلي الأبد علي نفس القضية، ما عدا ذلك فدجل مقصود.
قد تعتبر كلام جمال حمدان كلام رجل يائس، لكنه واقعي جدا وهذه هي المشكلة الكبري التي نواجهها، ونناقشها ونهتم بها أكثر من اهتمامنا بأوراقه الخاصة، التي قد لا تفيدنا لا في قليل أو كثير.
|