| لم تفلح كل عبارات الغزل التي اشتهر بها النبي سليمان في إقناع بلقيس ملكة سبأ أن تدخل فراشه بعد أن أتي بها الجان في غمضة عين هي وعرشها.. لكنها قبلت أن تبيت ليلتها الأخيرة في قصره بالقدس بعد أن بهرتها هداياه الثمينة.. لكنها اشترطت عليه ألا يمسها.. وتعهد لها بذلك علي ألا تطلب منه شيئا مهما كان بسيطا.
بخبث أمر سليمان الطاهي أن يغرق طعام العشاء في التوابل الحارقة.. فقامت بلقيس في وسط الليل وقد جف حلقها.. وشفتاها.. وما إن طلبت منه الماء حتي أحلته من وعده.. ودخلت فراشه مستسلمة.. وفي الموعد المناسب أنجبت منه ابنهما منيليك الذي أصبح ملكا علي الحبشة.. يحتفظ بتابوت العهد الذي يؤمن اليهود بأنه آخر ما تبقي من معبد سليمان بعد هدمه فوق رءوسهم.
وتكونت في الحبشة كتلة يهودية قوية سيطرت علي الحرف المختلفة وعاشت في قلب أديس أبابا وعلي أطراف بحيرة تانا.. لكن.. أغلبها هاجر فيما بعد تحت جناح عملية "الفلاشا" التي توسط فيها الملياردير السعودي عدنان خاشقجي وكسب من ورائها الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري عشرة ملايين دولار وإن قضت علي حكمه.
قبل ذلك غازلت إسرائيل إمبراطور الحبشة هيلاسلاسي ووصفته بأنه من نسل منيليك "الشريف" فكان أول حاكم إفريقي يعترف بها.. وفي المقابل أرسلت له بعثة عسكرية لتدريب جيشه.. وتأسيس قوات أمنه.. ونالت الثمن.. قنصلية إثيوبية في القدس.
ومن الحبشة انطلقت إسرائيل إلي باقي دول حوض النيل ومنابعه.. تسللت إلي قصور حكامها بطريقتها السهلة.. القابضة.. أرسلت ضباطا من الموساد لحمايتهم.. ومهدت مهابط خاصة لطائرات الإسعاف الطبية لنقلهم هم وعائلاتهم للعلاج في مراكزها الطبية القريبة المتخصصة.. وطورت أجهزة مخابراتهم بمعدات حديثة للتنصت وتسجيل المكالمات التليفونية بينهم وبين الشخصيات المؤثرة في العالم.. ولم تطلب إسرائيل أكثر من نسخة من هذه الشرائط الثمينة.
وعرفت إسرائيل كيف تغازل المواطن الإفريقي العادي.. إن الجنون بكرة القدم جعلها تبني ملاعب كرة.. وساحات شعبية.. وصالات رياضية.. وهي أنشطة بدت بالنسبة للناس هناك أكثر تأثيرا في مشاعرهم من تطهير الأنهار وحفر الآبار وغيرها من المساعدات الحيوية التي تقدمها مصر وتكلفها ملايين الملايين من الدولارات.. إن علم نفس الشعوب يلعب دورا في القبض علي عواطف الجماهير بتكلفة لا تزيد في الحالة الإسرائيلية علي عشرة ملايين دولار هي كل ميزانية مساعداتها الخارجية.
وقد وصل النفوذ الإسرائيلي في دول حوض النيل إلي حد أنهم ضغطوا علي رئيس وزراء كينيا للتوقيع علي معاهدة "تعطيش مصر "قبل زيارته الأخيرة للقاهرة.. وجاء الرجل ليقول لنا:"إنكم تصدرون الغاز الطبيعي إلي إسرائيل عدوتكم فلماذا لا تصدرونه إلينا ونحن أصدقاؤكم؟".. ولم يقل أحد إن الجملة غشها من برشام إسرائيلي كتب له قبل أن يركب الطائرة.. الهدف منه إحراجنا.
والحقيقة أننا انتبهنا إلي دول الحوض بعد أن وقعت الفأس في الرأس وأعلنت تلك الدول غضبها وتمردها وخروجها عن طوعنا.. فكان لابد من اهتمام مضاعف ومكثف كي نستعيد الثقة المفقودة بيننا وبينهم.. بعد سنوات طويلة من الإهمال اتهمونا فيها بالتعالي والغطرسة.
ولعبت هذا الدور ببراعة المحترفين وزيرة التعاون الدولي فايزة أبو النجا.. لقد اختارها بطرس غالي ــ الكبير مستشارة له طوال سنوات رئاسته للأمم المتحدة.. وعادت للقاهرة لتصبح مسئولة عن إفريقيا في وزارة الخارجية.. فزارت كل دولها.. وعرفت كل مسئول فيها.. وعندما سعت إلي مد الجسور مع إثيوبيا ــ منبع النيل الأزرق الأهم بالنسبة لنا ــ وجدت رصيدا مشجعا.
منذ زيارة رئيس الحكومة إلي إثيوبيا في نهاية العام الماضي وحتي الآن حدثت طفرة ترقي إلي المعجزة في العلاقات.. فالاستثمارات المصرية هناك وصلت إلي ما يقرب من مليار دولار.. وخصص مجلس الأعمال المشترك الذي يرأسه أيمن عيسي مليون جنيه لدعم أنشطته.. وعقدت اللجنة المشتركة بين البلدين اجتماعا في أديس أبابا نهاية مارس الماضي ووقعت علي اتفاقيات للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي.. وانتهت الإجراءات الدستورية الخاصة بالتصديق علي اتفاق تشجيع وحماية الاستثمار الذي وقع بيننا وبينهم عام 2006.
وأثناء وجود أحمد نظيف هناك أرسلت الدفعة الرابعة من اللحوم الإثيوبية إلي مصر (40 طنا) بينما كانت كل دفعة سابقة 120 طنا.. وبدأت الشركة الشرقية للسجائر إجراءات الحصول علي مزرعة تبغ في إثيوبيا.. بجانب المزرعة التي يستثمر فيها البنك الأهلي أمواله وتصل إلي 25 ألف هكتار.. يضاف إليها مزرعتان للفراولة والزهور تستعد لهما شركة المغربي.. وهناك شركات أخري تمشي في نفس الطريق.
وبدعم من المجتمع الدولي اعتمدت خمس شركات صيدلة ــ علي رأسها العزبي ــ لمكافحة الملاريا في إثيوبيا.. وجري تدريب الأطباء هناك.. وأرسلت أدوية مجانية منا.. ويجري التفاهم علي تأسيس شركة مشتركة للمنتجات الطبية.
وأسس البنك الأهلي مكتبا له في أديس أبابا وقدم بنك الصادرات منح تدريب في القاهرة.. واقترحت مجموعة القلعة بناء مصنع أسمنت بالقرب من جيبوتي.. وسعي أحمد بهجت لمصنع تجميع تليفزيونات.. وتوسعت مجموعة السويدي في نشاطها وتقدمت بطلب تأسيس منطقة صناعية فيها 120 شركة علي مليوني متر مربع بتكلفة 350 مليون دولار.
وتآخت المقاولون العرب مع شركة مقاولات محلية لتدرسا إعادة رصف طريق إثيوبيا جيبوتي (315 مليون استرليني) وبناء نفقين وكوبري في العاصمة بما يقرب من 25 مليون دولار.. واقترحت أوراسكوم تأسيس شركة مع الحكومة الإثيوبية لتحسين بيوت أصحاب الدخل المنخفض.. واقترح وزير الاتصالات بناء قرية ذكية في أديس أبابا.. ربنا يستر.
لقد رفعت الحركة النشطة السريعة حجم التجارة بين البلدين في العام الماضي بنسبة 30% ليصل إلي 140 مليون دولار بعد أن كان 117 مليون دولار.. وهناك أمل أن يصل إلي مليار دولار.
وشهدت ساحات التدريب المصرية وفودا من هناك في هيئة سوق المال والبيئة ومعهد تدريب الصحفيين الذي استقبل عددا من رؤساء التحرير عبروا عن رغبتهم في استمرار هذه الدورات.. وأعتقد أن زيارة الإعلاميين يجب أن تحظي باهتمام مضاعف.. فهم الجماعة الأكثر تأثيرا.. والأكثر تحاملا عن مصر.
إن القائمة طويلة.. لكن الأحلام فيها أكثر من الواقع.. والتفكير فيها لا يزال أكبر من التنفيذ.. ولكن.. ذلك لا يعني ألا ننحني تقديرا أمام جهود وزيرة التعاون الدولي.. شكرا يا سعادة السفيرة فايزة أبو النجا.
علي أنني أجدها فرصة كي أقترح تعيين وزير خاص بإفريقيا.. وهو اقتراح ليس غريبا.. فبطرس غالي عندما كان وزير دولة للخارجية.. كانت مهمته الرئيسية إفريقيا.. وسبقه إلي هذه المهمة محمد فائق.
ويذكرني وزير الإسكان والتعمير الأسبق حسب الله الكفراوي باجتماع دعا إليه أنور السادات قال فيه: إنه إذا حارب فسيحارب من أجل مياه النيل.. لكن.. خيار العنف يجب أن يسبقه خيار التنمية.. خاصة تمهيد درب الأربعين بيننا وبين السودان وامتداده العميق الذي يربط بين القاهرة وجنوب إفريقيا.
حان الوقت لأن نعود إلي جذورنا وأصلنا ومنبتنا وأقاربنا ومصالحنا في إفريقيا.. ودعكم من الرجل الأوروبي الأبيض فالشر الذي يأتي منه أكثر من الخير.
|