| الدكتور محمد السعدني احد علماء مصر، وكان يترأس مدينة مبارك للعلوم والتكنولوجيا، واستطاع خلال أقل من أربع سنوات أن يحيي مشروع وادي التكنولوجيا، وهو مشروع تأخرنا في العمل به، لأنه ببساطة يحول الأبحاث إلي مشروعات إنتاجية في كل المجالات وعلي رأسها إنتاج الدواء. منذ أقل من شهرين انقلبت حياته المنظمة الهادئة، تعرض للطرد من مجلس الشعب علي يد وزير التعليم العالي الدكتور هاني هلال دون وجه حق، وقبل أن يلتقط أنفاسه أنهي الوزير انتدابه من رئاسة المدينة، ورفض حتي السماح له بالعمل بها كأستاذ ومنعه من دخول مكتبه، حين تقرأ حواره معي سرعان ما تكتشف أن كل مريض بالسكر في مصر قد خسر هو أيضا من خلافات السعدني والوزير. وستشعر بمرارة هائلة يشعر بها الرجل الذي لايزال محتفظا بكبريائه وكرامته ويرفض أن يصدق أنه يعمل في سوبر ماركت بعد أن عاش سنوات يتعامل مع الخلافات والمضايقات مع الوزير علي أنها خلاف في وجهات نظر وأنه يعمل في دولة. الدكتور السعدني انتظر نحو شهرين حتي تنجح الجهود العلمية والمفاوضات السرية لتعيد له حقه، ومع إيماني بالدفاع عن هذا الحق فإن المسألة أكبر من ذلك، كل مواطن هو شريك في هذه القصة البائسة لانه لم يستفد من أعمال المدينة العلمية التي انفقنا عليها من جيبي وجيبك، وفي الحوار يكشف الدكتور السعدني عن الخلافات السابقة بينه وبين الوزير.
في بداية الحوار، قلت له تصور أن قرار الوزير بإقصائك عن المدينة سببه ذهابك لمجلس الشعب دون إذن تصور ساذج، فرد بسرعة: «أنا لم اذهب لاجتماع لجنة التعليم بدون إذن فالوزير نفسه أرسل لي خطابا بتكليفي بالذهاب لأنه مشغول، واللجنة ممثلة في رئيسها الدكتور شريف عمر وجهت لي الدعوة لحضور الاجتماع، وقبل الاجتماع بيوم اتصلت بمكتب الوزير وسألت هل هناك حاجة معينة يريد الوزير أن أركز عليها؟.. فقيل لي إن الاجتماع مخصص للبحث العلمي في مصر، فقد كنت مدعوا سواء حضر الوزير أو لم يحضر الاجتماع».
سألته: لكن قيل إن الوزير اتهمك بأنك قدمت طلب إحاطة ضده في مجلس الشعب؟.. فقال السعدني: «لم يحدث ولو لديه مايثبت ذلك فليقدمه والنائب فقط يملك حق تقديم طلب إحاطة، ثم لماذا أشكو الوزير وانا وهو في مركب واحدة» فقاطعته متسائلة «في مركب واحدة ولا متنافسين؟» فقال الدكتورالسعدني: لم أفكر لحظة واحدة في منافسته ودهشت عندما كتبت بعض الصحف هذا الكلام، وعندما سألوني هل «شالك» علشان خايف تنافسه؟ واضاف السعدني «انا مش طالب لا أمارة ولا وزارة مثلي مثل كل العلماء».
عدت أسأله: ولكن حكاية أن الوزير شك إنك قدمت شكوي ضده توحي بأن هناك خلافات خفية تحت السطح بينك وبين الوزير.. خلافات علي مشروع الأنسولين مثلا؟
فرد السعدني بالقول: أيوه فيه خلافات طبعا فيه خلاف حول مشروع إنتاج الأنسولين الحيوي في مصر بالتعاون مع الصين، ولدي الأوراق التي تثبت أن رئيس الوزراء وافق علي مشروع الأنسولين في نوفمبر 2007، ووزير الصحة وافق عليه في فبراير 2008، والشركة الصينية أرسلت لنا فاكساً في سبتمبر 2007 بمساهمتها في مصنع إنتاج الأنسولين الحيوي بملبغ 10 ملايين دولار، كنا سنغطي السوق المحلي ونصدر لدول أخري، بتكلفة تقل عن المستورد بنحو 50%.
بدهشة سألته: طيب الدكتور هلال كان يبرر التعطيل إزاي؟
فقال: شوفي في السنين إللي عملت معه فيها لم ينعقد مجلس إدارة المدينة سوي حوالي 4 مرات. وهو لازم يحضر لانني كنت منتدباً ولم يصدر لي القرار الجمهوري بتعييني.
(حكاية تعيين الدكتور السعدني قصة تستحق الاهتمام فقد كان الرجل أول من أدخل فكرة مشروعات وديان التكنولوجيا خلال مشروع تطوير جامعة الإسكندرية، وعندما خلا منصب رئيس مدينة مبارك طلبوا الدكتور السعدني لرئاسة المدينة، ولم يكن مر علي حصلوه علي الأستاذية خمس سنوات، ولما كان من شروط شغل هذه الوظيفة الهامة مرور خمس سنوات علي الاستاذية فقد تم انتدابه لهذه الوظيفة، علي أن يصدر القرار الجمهوري بعد استيفائه الشرط، و لكن عندما استوفي الدكتور السعدني الشرط في يوليو الماضي لم يتم إعداد القرار الجمهوري ورفعه إلي الرئيس، وهكذا ظل وزير التعليم العالي يحكم قبضته علي قرارات المدنية).
عدت أسال الدكتور السعدني عن الخلافات السرية بينه وبين الدكتور هلال وقلت له: هل صحيح أن هناك خلافات مع الوزير تتعلق بالتعاون العلمي مع اسرائيل؟ فوافق الدكتور السعدني، وقال: حصل بالفعل، وقد كان فيه مشروع مع الاتحاد الأوروبي من خلال مجموعات عمل مصرية وأخري أوروبية، وكان المشروع يخص تكنولوجيا المعلومات بتمويل كبير وحققنا فيه طفرة، وفوجئنا في الصيغة النهائية للمشروع أن هناك مجموعة بحثية من إسرائيل. ويكمل السعدني: اتذكر كان سيادة الوزير في قبرص لحضور اجتماع دولي لوزراء التعليم والبحث العلمي، ويبدو أن وزير البحث العلمي الاسرائيلي كلم الدكتور هلال، وقال للوزير إن مدينة مبارك لا تتعاون معنا، فأرسل دكتور هلال «إيميل » للأستاذ المساعد المختص بالمشروع وقال له إنه من غير المقبول منك أن ترفض التعاون في هذا المشروع، وأضاف وزير التعليم هلال في إميليه مع الأستاذ أنه هيحاسبه لدي عودته لمصر.
سألت الدكتور السعدني: وماذا حدث بعد ذلك؟
فقال: جاءني الاستاذ وكنت معه خطوة بخطوة، والمشروع كان اقرب للتجسس، كانوا طالبين منا تقارير شهرية عن العاملين بالمشروع ودرجاتهم العملية والمشروعات التي يعملون فيها، فخاطبت السيد الوزير وقلت له «دا مش تعاون بحثي دا شغل جاسوسية».يحكي الدكتور السعدني عن محاولة اخري من اسرائيل، فبعد أن اشترك فريق بحثي من المدينة مع فريق يوناني ظهرت اسرائيل، فتكرر الرفض، ويضيف السعدني «عندنا كفاءات ومشاركات مع دول اخري من امريكا لكوريا للصين ليابان ودول الاتحاد الاوروبي، مش محتاج اسرائيلي». ومن بين الخلافات الاخري التي جرت بين الوزير هلال والدكتور السعدني الخلاف حول مشروع النانو تكنولوجي مع شركة «آي بي إم»، وهذا الخلاف اعتبره السعدني مجرد خلاف في وجهات النظر، يقول السعدني: فوجئت بالدكتور ماجد الشربيني يتصل بي ويطلب مني أن اعلن في المدينة عن مشروع مع شركة آي بي إم، وأن الباحثين سيعملون في المشروع مع مركز الشركة وستتاح لهم رواتب مجزية وفرص للتدريب. ويكمل دكتور السعدني: رفضت الفكرة وكلمت الوزير وقلت له إن هذا تخريباً للبحث العملي، فمن الممكن إعارة الباحثين للمركز لفترة كمهمة علمية، ولكن لا يجوز أن نساهم في نزيف العقول بدلا من الحفاظ عليها داخل مصر ومراكزها العلمية، وبالفعل تم الأخذ برأيي.
المثير أن الدكتور السعدني يحكي عن هذه المشاكل باعتبارها اختلافاً وارداً وصحياً في وجهات النظر وللصالح العام، ويؤكد أنه كان يؤدي عمله دون صدام مع الوزير.
سألته عن قصة اخري من المشاكل السرية، قلت له: هل صحيح أنك طلبت من مؤسسة امنية رفيعة المستوي أن تزور المدينة لتري الانجازات والمشروعات لعل الرئيس يفتتح مشروعاً منها؟
فقال: لم أدعها والمؤسسة المحترمة زارتنا بالفعل قبل شهر من واقعة المشكلة مع د. هلال، وقالوا لنا «عندكو كل هذه المشروعات والعمل، ولا يعرف احد عنها شيئا ليرشحها للسيد رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة لافتتاحها» واضافوا أن هذا عمل مؤسسة كبري تنتمي للحكومة، ويختم الدكتور السعدني القصة بالقول (أنا الذي ابلغت الدكتور هلال بهذه الزيارة).
بصراحة لم اتمالك نفسي من الضحك وانا اسمع هذه القصة تحديدا، وعندما سألني الدكتور السعدني عن سبب ضحكي، قلت له «مش الدكتور نظيف كان في الاسكندرية في الوقت ده تقريبا، لافتتاح مخبز عيش، وسلم متحرك.
أصعب لحظات الحوار كانت عند الحديث عن مشكلة الدكتور السعدني، يحكي لي عن صدمته فيما حدث، عن إحساسه بالامان، لم يتوقف عند كل المضايقات وحتي منع الوزير له من السفر لتمثيل مصر في المنتديات العلمية، عن تأخر صدور القرار الجمهوري لتعيينه رسميا. سألته: ألم تشعر بالقلق لتأخر القرار الجمهوري؟عمرك ما حسيت بحركة غدر؟ فرد بحزن حقيقي: احنا بشر، لكنني كنت اشعر بالأمان لأنني كنت اعمل في دولة، لم اتصور انه (يقصد الوزير) بجرة قلم يقول لي روح.
لمدة شهرين اعتقد أن السعدني لا يزال يؤمن بأن هناك فارقاً بين العمل الحكومي، والعمل في سوبر ماركت، قال لي بأسي: لو كنت باشتغل في سوبر ماركت، ورئيس الوردية قال لي روح، صاحب السوبر ماركت سيسألني انا وهو عن الغلط اللي عملته.
حكي الدكتور السعدني عن محاولات الوساطة للدكتور مفيد شهاب لاحتواء الموضوع، ويشعر بامتنان وتقدير لوساطته رغم فشلها، وبتقدير اعضاء مجلس الشعب لموقفه (كان ممكن ارفض الخروج من قاعة الاجتماع واقول للوزير انا زيك مدعو وفي حماية مجلس الشعب، وكانت تبقي عاركة حكومية). سألته: بعد شهرين من عدم إنصافك حاسس بالندم علي أنك استوعبت الموقف؟ فقال: حاسس بمرارة لأنني احترمت قواعد وظروف وهيبة بلد وحكومة وهي لاتسأل عني، كنت متصور أن الدكتور نظيف يقابلني ويسألني، انا كنت اعمل في نظام مؤسسي، حتي لو اخطأت هناك نظم للمحاسبة، انا لا أعمل في سوبر ماركت.
هذا حوار الدكتور السعدني، هذا صوته ورؤيته ومرارته ومعاناته، نفسي أسمع أو شوف رداً أو صوتاً للدكتور نظيف أو حتي الدكتور هلال يفسر لنا ألغاز الخلافات مع الدكتور السعدني، نفسي نظيف أو هلال يبرر لنا توقف مشروع الأنسولين المحلي. نفسي اعرف الفارق بين المؤسسات الحكومية والسوبر ماركت ولا اقول العزب.
|