| لم يكن عادل إمام في بداياته الأولي مبشرا بما انتهت إليه أيامه في الفن، كان ممثلا نحيلا يثير الشفقة والسخرية والتعاطف في آن واحد، لكنه إلي جوار فتيان الشاشة الأوائل لم يكن ليتصور أحد أنه يمكن أن يصبح في يوم من الأيام النجم الأول الذي استطاع أن يعبر الأجيال للدرجة التي أصبح معها ظاهرة تستحق الدراسة، وأصبح كل ما يقوله مهما حتي لو كان عابرا وبلا قيمة.
من بين ما قاله عادل إمام وتم التعامل معه باستخفاف ودون دقة أو وعي، هو ما قاله عن موقفه من عمل نساء بيته في الفن، كان يتحدث للزميلين حازم الحديدي وأحمد عطاالله في جريدة «الأخبار»، وإذا به يقذف في وجهيهما بتصريحه «مفيش عندنا ستات يشتغلوا في الفن».
كانت الإلتفاتة الأساسية لما قاله عادل إلتفاتة أخلاقية، اعتبرها البعض إهانة لكل النساء اللاتي عملن معه في أفلامه، لكن ما لم يلتفت إليه أحد هو أن عادل إمام تحكمه عقدة فيما يتعلق بالمرأة، عقدة تكونت في سنوات عمله الأولي، وظلت متحكمة بعد ذلك في مسيرته الفنية وفي اختياراته، وفي أدائه الذي كان يتألق في مشاهد الجنس تحديدا، ولم يكذب عادل إمام عندما قال ليسري الفخراني -في كتاب أصدره يسري منذ سنوات عن الحياة الخاصة للفنانين، -إن الجنس شئ مهم جدا في حياته وأنه لا يمكن أن يستغني عنه أبدا، إنه قادر علي تغيير كيمياء جسده ومده بطاقات جبارة يحتاجها في عمله.
لقد تألق عادل إمام علي مسرح كلية الزراعة بجامعة القاهرة، وعندما تخرج فيها التحق وهو في سن الـ22 بمسرح التليفزيون، ومن هناك التقطه فؤاد المهندس الذي يعتبر صاحب الفضل الأول والأهم علي عادل، فقد منحه فرصة عمره في مسرحيته "أنا وهو وهي"...وظهر عادل في دور دسوقي أفندي كاتب المحامي المتعجرف الذي يعتقد أنه أهم من الجميع، ولولا أن البلد بلد شهادات لكان الأغني والأشهر والأهم.
ورغم أن هذه المسرحية كانت نقطة إنطلاق عادل إمام وسبب سعده، إلا أن الدور الذي تقمصه تماما يمكن أن نعتبره - في هذه اللحظة - انعكاسا لحياة عادل إمام وقتها، لقد كان فقيرا وضائعا ومشردا، للدرجة التي لم يتحرج معها أيام تواضعه أن يحكي أنه كان يسير المسافة من الهرم إلي مسكنه في السيدة زينب لأنه لم يكن يملك ثمن تذكرة الأتوبيس.
في العام 1964 تحولت المسرحية إلي فيلم، لعب فيه عادل إمام دورا صغيرا، لكنه قدمه إلي عالم السينما، كان عادل إمام يعتقد أنه مؤهل لدور البطولة، لكن بدايته التي كانت عبارة عن إفيه أكثر منها دور متكامل، جعلت المنتجين يتعاملون معه علي أنه مجرد بضاعة مستهلكة، فهو مهم بالنسبة لهم ولكن في دور السنيد فقط.
ظل عادل إمام من العام 1964 يقدم أدوارا ثانية عابرة، تضحك عليها ويمكن أن يعلق معك منها موقف أو إفيه، لكنه لا يبقي معك لأنه لم يكن البطل، ظهر إلي جوار صلاح ذو الفقار في «مراتي مدير عام» (1966) «كرامة زوجتي» (1967) و«عفريت مراتي» (1968)، وإلي جوار أحمد مظهر في «لصوص لكن ظرفاء» (1969) وإلي جوار حسن يوسف في فتاة الاستعراض وسبعة أيام في الجنة (1969) وأربعة وعشرين ساعة جواز (1974) ومع نور الشريف في بنات في الجامعة (1971) وألو أنا القطة (1975).
في كل هذه الأفلام كان عادل يبحث عن نفسه، إنه مهرج الفيلم لا أكثر ولا أقل، يساعد البطل في حل مشاكله، دون أن نعرف شيئا عن مشكلته الشخصية، لم تكن لهذا الممثل جاذبية من أي نوع، فهو نادرا ما كان يظهر في دور الجان الذي تحبه وتطارده النساء، فلا نحافته تؤهله لشئ من ذلك، ولا ملامح وجهه المرهقة تجعله قادرا علي أن يأتي بالنساء إليه.
ومن المناسب أن نتوقف قليلا عند دور عادل إمام في فيلم «نص ساعة جواز» الذي تم إنتاجه في العام 1969، ولعب البطولة فيه رشدي أباظة وشادية، وأخرجه فطين عبد الوهاب، كان عادل إمام في هذا الفيلم يقوم بدور كومبارس في السينما، يحلم بأدوار البطولة، والغريب أن حلمه هذا كان مرتبطا عنده بشئ واحد وهو أن يقبل بطلات أفلامه، فهو يذهب إلي التصوير من أجل أن يضرب فقط، فبعد أن يدخل البطل في وصلة قبلات عنيفة مع البطلة ويأتي وقت الضرب يخرج البطل ليضرب الكومبارس بدلا منه.
كان عادل إمام يردد جملة في نص ساعة جواز هي :عاوز أبوس بقي، وهي جملة يمكن أن تكون مفتاحا لكثير مما يربط عادل إمام بالنساء في أفلامه ، لقد كان من أحلام عادل إمام أن يمثل مثلا مع سمير صبري، النجم الذي كان مطلوبا وبشدة في أوائل السبعينيات، كان عادل يعتقد أن ظهوره إلي جوار سمير صبري يمكن أن يكون بوابة عبور جديدة بالنسبة له، وهو ما تحقق له في فيلم «البحث عن فضيحة» (1975)، الريفي الذي يأتي من بلدته ليبحث عن فتاة جميلة ليتزوجها ويهب وقته كله إلي هذه المهمة.
لقد أراد عادل إمام أن يكون رجلا مرغوبا، وإذا كان هذا لا يحدث في الواقع فلا أقل من أن يحدث في السينما، لكن عجلة الإنتاج لم تتحرك في صالحه، فبعد البحث عن فضيحة قدم أفلام عاد فيها إلي دور السنيد أو علي الأقل كان مجرد واحد من أبطال الفيلم لا بطله الأول.
إن هناك مشكلة ضخمة في رصد مشوار عادل إمام السينمائي، فهو لم يتطور أبدا، قد يكون نما كثيرا، قد يكون أصبح أكثر نجومية، لكنه ظل علي نفس الحالة يقدم في العام الواحد فيلما جيدا وفيلما آخر تافها لا يمكن أن تقبله منه.
إن هذه القاعدة حكمت تاريخ عادل إمام الفني، فمثلا في العام 1983 وهو العام الذي قدم فيه أفلامه «الحريف- وحب في الزنزانة -«الغول» نجده يقدم أفلاما من نوعية «لا من شاف ولا من دري - عنتر شايل سيفه» وفي العام 1991 الذي يقدم فيه «اللعب مع الكبار» نجده يقدم مسجل خطر، وفي العام 1995 الذي قدم فيه «طيور الظلام» قدم أيضا «بخيت وعديلة».
هنا هذا فنان لا يحرص علي ما يقدمه بقدر ما يحرص علي ما يحققه من مكاسب مادية، وإذا كان عادل إمام يلتزم من العام 1999 بتقديم فيلم واحد في السنة، فلأنه ولظروف سنه لم يعد قادرا علي أن يعمل أكثر من فيلم في السنة (عادل أحيانا كان يقدم سبعة أفلام في السنة الواحدة ففي عام 1983 قدم «المتسول -الحريف -حب في الزنزانة ولا من شاف ولا من دري وعنتر شايل سيفه -خمسة باب -الغول» وفي العام 1984 قدم »حتي لا يطير الدخان -الأفوكاتو -اتنين علي الطريق -احترس من الخط- واحدة بواحدة -مين فينا الحرامي -أنا اللي قتلت الحنش» ثم إن النجوم الصغار كانوا قد أصبحوا منافسين لعادل ولم يعد مسموحا له أن يسيطر علي دور العرض السينمائي طوال العام.
لقد التفت من كتبوا عن سينما عادل إمام إلي أنه كان يمثل طول الوقت نصير الفقراء وزعيمهم، فهو المواطن الفقير الغلبان الذي يخرج من تحت الصفر ليتقدم الجميع، ضاربا في طريقه من يجده من أصحاب السلطة والنفوذ والمال، وعندما يحقق ذلك يصفق له الجميع، لأنه حقق لهم ما يريدون وتحمل عنهم عبء أن ينتقموا من أجل أنفسهم.
بموازة هذه الزعامة التي أكدها عادل إمام في كل أفلامه، كانت هناك زعامة من نوع آخر يحرص علي أن يؤكدها ويدعمها، وهي زعامته الجنسية، فكل نساء أفلامه يقعن في غرامه من أول نظرة، وهو وقوع في الغالب حسي وليس عاطفيا، فمن هي المرأة التي يمكن أن تراه ولا تقع في هواه، ثم إنه إذا أراد أن يأتي بامرأة فإنه لا يتردد في أن يأتي بها إلي فراشه.
في فيلمه "سلام يا صاحبي" وهو فيلم تجاري ومن أكثر أفلامه التي تذيعها الفضائيات لا يكتفي عادل إمام بأن ينتقم ممن ظلموه هو وصديقه سعيد صالح بأن يأخذ أموالهم، لكنه يمعن في الانتقام بأن يأخذ منهم نساءهم وعشيقاتهم، يهدي عادل سكرتيرة الرجل الكبير هدية عبارة عن بيبي دول، وعندما تكتشف ذلك وتتعجب، نجده يقول لها إنه يريد أن يراه عليها، وفي اللقطة التالية مباشرة تجدها وقد جاءت إلي فراشه طائعة، بل إن كل نساء الكبار يتحولن إلي زائرات لغرفة نومه، ليس لأنه يريدهن فقط، لكن لأنه من خلال علاقته الجنسية بهن يستطيع أن يحصل علي كل ما يريده من أزواجهم الكبار.
إن الصيغ التي يصيغ بها عادل إمام علاقته بنجمات أفلامه، لا تجعلنا مثلا نصدق أن مشاهد الجنس في هذه الأفلام ضرورة درامية، لكنها في الغالب تأتي من أجل مغازلة الجمهور، ومن أجل إرضاء نزوات عادل الفنية، إن كل الممثلات اللاتي عملن مع عادل جمعته بهن مشاهد غرامية، وأعتقد أن واحدة فقط هي التي رفضت مشاهد القبلات في أفلام عادل إمام.
كان ذلك في العام 1998، وكان عادل إمام يجهز لفيلمه «رسالة إلي الوالي، وك»انت نيرمين الفقي قد بدأت في الصعود والنجومية، طلبها عادل لتقوم بالبطولة النسائية أمامه، لكنها عندما وجدت في الفيلم مشاهد قبلات عديدة ووجدت أنه لا مبرر لها علي الإطلاق، طلبت أن تلغي مشاهد القبلات كشرط لقبول الفيلم، علي الفور استغني عادل عنها وأسند الفيلم مباشرة إلي يسرا التي تعتبر رفيقة درب عادل إمام وأكثر من قدمت معه أفلاما، تم صياغة العلاقة الجنسية بين البطل والبطلة فيها علي أكثر من نمط، راجع مثلا علاقتهما في فيلم «الأفوكاتو»، وهي العلاقة التي كان الجنس هو لغتها الأولي والأساسية، وراجع أيضا فيلم «طيور الظلام» الذي رافقها عندما كانت عاهرة وفي الوقت المناسب استغلها لتحقيق أغراضه، فهي بالنسبة له ليست أكثر من بضاعة يستفيد بها وفي الوقت المناسب يضحي بها دون أي عناء، ولا حتي لحظة من تأنيب ضمير.
الأزمة في عادل إمام أنه وبعد أن بلغ من العمر أرذله وأصبح جدا بالفعل وتجاوز السبعين من عمره لم يكف عن تأكيد زعامته الجنسية، فهو الرجل الذي يستطيع أن يبهر النساء، فعل ذلك في فيلمه «التجربة الدنماركية» (2003) فبطلة الفيلم الجميلة الشابة تترك كل أولاده الشباب وتخطب وده الجنسي هو، وكأن عادل إمام يقول إنه حتي لو كان عجوزا وكان إلي جواره هؤلاء الشباب فإن جاذبيته هي الأعلي.
في فيلمه «عريس من جهة أمنية» (2004) ثم في السفارة في «العمارة» (2005) ثم في «عمارة يعقوبيان» (2006) ثم في «مرجان أحمد مرجان» (2007) نموذج للرجل الذي يعيش وحيدا، لكنه لا يكف عن مطاردة النساء، كان عادل إمام في هذه الأفلام يظهر عجوزا، ملامح السنين تظهر علي وجهه لكنه لا يكف عن إثبات قوته وفحولته، وكأنه يريد أن يثبت للجميع شيئا ما، ليس في الفن هذه المراة ولكن في الحياة.
وحتي في فيلمه الأخير «بوبوس»، الذي كان نموذجا للإفراط الجنسي المقزز، والذي أعتقد أنه لابد أن يكون نهاية لتاريخ عادل إمام الجنسي علي الشاشة، ليس لأن الناس لم تعد تقبل علي مشاهد الجنس في السينما، ولكن لأنه أصبح مقرفا جدا أن يحرص رجل سبعيني علي أن يطارد النساء ويصر علي أنه لا يزال قويا ومرغوبا.
علاقة عادل إمام ببطلات أفلامه علاقة ملتبسة، لكنها مساحة مهمة ومحفزة علي البحث، لكن خلاصة الأمر، أن عادل إمام من خلال ما قدمه وليس من خلال ما قاله لا يحترم المرأة ولا يقدرها ولا يري أن كائن يستحق إلا أن يكون وعاء للمتعة، وقد كشفته غفلته، فهو لا يريد لأحد من نساء بيته أن يعملن في الفن، لأن المرأة التي تعمل في الفن بالنسبة لها رخيصة ولا قيمة لها، إنهم بالنسبة له مجرد نسوان للجنس، ولسن نساء للمساندة نوهذه هي حقيقة عادل إمام.. وهي الحقيقة التي تظهر في أوقات قليلة لأنه رجل يعرف كيف يخفي حقيقته دائما، لكن يبدو أن ذكاءه خانه هذه المرة.
|